ما الذي أحاول أن أخلفه؟ (لقاء بجومبا لاهيري)

المقابلة بالإنجليزية (هنا)

أجرت المقابلة فرانسيس بِلّاس*

تتسم الحياة باللحظات المفاجئة، جيوبها مليئة بسحر نفيس وخفي. وما كنتُ لأتخيل نفسي حتى في أشد أحلامي جموحًا واقفة في مطبخ جومبا لاهيري، أراقبها وهي تُعد لي قهوة بآلة لتحضير الموكا الإيطالية. وبذلك امتدت محادثات عديدة بيني وبينها لشهور، وانتهت بكوب من الإسبريسو في تراستفيير في روما.

خلال هذه الشهور عرفتُ عن لغتها، عن منفاها، عن دهشاتها ومتعها، و الأهم من هذا كلها هو حكاية حب عظيم. كيف تروي قصة وقوعك في الحب؟ ربما بوصفك للأشياء التي يدفعنا الحب لفعلها، كتحلينا بالصبر، كغرقنا بالمتعة، بل وحتى صراعنا ومعاناتنا. “الرغبة بمنح الذات” هو ما كتبه شاعر إيطالي عن الحب سنة 1935 يُدعى أنتونيو بوزّي.

تعرف لاهيري المجنونة حبًا هذا جيدًا. في أعماق قلبها، في عينيها، في جهودها اليومية هناك لغة: الإيطالية. هناك مدينة: روما. كرست نفسها للغة الإيطالية لسنوات، مانحة إياها إخلاصها وتفانيها، الصراع المتمخض عن ارتكاب الأخطاء، والمتعة المتفجرة في لحظات الانتصار والظفر. “حين تعشق ترغب بأن تظل حيًا إلى الأبد” تقول “وأنا لا أريد أن أموت؛ لأن موتي سيختم رحلة اكتشاف اللغة”.

وُلدت جومبا لاهيري في لندن لأبوين بنغاليين ثم نشأت في الولايات المتحدة الامريكية. بعد نيلها جائزة البوليتزر (عن مجموعتها القصصية الصدارة سنة 1999 بعنوان ترجمان الأوجاع)، ونشرها لثلاث روايات أخرى (السمي،أرض العجائب،الأرض المنخفضة) قررت قرارًا بدا للعديد مجنونًا: قررت الانتقال لروما والكتابة بالإيطالية. في البدء كانت ممارسة عفوية تلقائية، إلا أنها تحولت لاحقًا إلى ضرورة ملحة، وسيلة لتزجي نفسها في عالم جديد وتنغمس فيه، لتصبح جومبا أخرى، لتذهب باحثة عن ذلك الأمر “الذي يمكن أن يغير حيواتنا” والذي يوجد “قابعٌ دومًا خارج ذواتنا وبعيدًا عنها”. ومن هذه الحاجة وُلد كتابٌ جديد، كُتب في مكتبة في حي اليهود في روما. الكتاب المعنون بـ (بعبارة أخرى) (1) (In altre parole ) وهو جناس دقيق، ترجمته إلى الإنجليزية محررة مجلة النيويوركر ومترجمة أعمال إيلينا فرانتي آنّ غولدستين.

فرانشيسكا بِلّاس: “كانت هناك امرأة أرادت أن تكون شخصًا آخر”: هذا هو سطر الافتتاحي للقصة القصيرة المعنونة بـ التبادل التي كتبتها بالإيطالية وضمنتها بكتابك بعبارة أخرى. هي أيضًا بداية انمساخك وتحولك لكاتبة أخرى. ما الذي يدفع أحدهم نحو التحول والتبدل؟

جومبا لاهيري: شعورٌ بالإحباط، بالسخط وعدم الرضا. كنتُ أبحث عن هوية تكون يقظة، مقبولة، تكون لي. لكن تبدو الآن فكرة الهوية المحددة فخًا، وأفضل الآن هوية غزيرة وافرة: البعض الإيطالي، ذاك البعض من بروكلين، وذاك الهندي. الهوية كيانٌ مائع متقلبٌ، وللتحول والانمساخ هذا المفهوم في باطنه. تحدث أوفيد أيضًا عن هذه الميوعة، ودومًا ما تفيدني القراءة لأوفيد.

ف ب: كتبتِ تقولين أن كتاب أوفيد التحولات كتابٌ مهمٌ جدًا لك.

ج لا: نعم، هو كتاب جوهري، وأهميتها تزداد يومًا تلو يوم: فهو يشرح لي كل شيء ويوضحه. الترجمة هي أيضًا شكلٌ من أشكال التحول والانمساخ. ترجمتُ كتاب (عُقد لدومينيكو ستارنون، ونشرتها منشورات يوروبا في الولايات المتحدة)، أدرس أيضًا مادة عن الترجمة في جامعة برنستون، ودومًا ما يكون الموضوع نفسه: الانمساخ، التحول. حين يتحول كائنٌ، كيانٌ إلى آخر.

ف ب: كاتبتان إحداهن ضليعة بالإنجليزية، والأخرى ما زالت تكتشف الإيطالية. كيف تعيش هاتان الطبيعتان المختلفتان سوية في الحياة اليومية؟

ج لا: أشعر أني مكشوفة عارية، ضعيفة هشة كما يُفترض بي أن أكون. على الفنان أن يعيش هذا التناقض. في فترة ما أصبحتُ كاتبة ناجحة، وأنا ممتنة لذلك، لكني حين أكتب، حين أحاول أن أكتب أشعر دومًا بأني متضايقة غير مرتاحة. عليك أن تتعمق باحثًا حيث لا تشعر بالراحة. في هذا الكتاب أسأل نفسي: ما الذي أهرب منه، لِم هذا الانمساخ، لم هذا الهروب، أي يجب عليّ أن أصل، ما الذي أحاول أن أخلفه؟

أؤمن بأن الجواب هو أنني أبحث عن الحرية لأكتب بطريقتي، لأكتب ما يرد بأي لغة شئت، بأي صياغة، وبأي عدد من الحروف، ودون أي ضغط.

ف ب: أي ضغط تقصدين هنا؟

ج لا: مثلًا لأني نشرت كتابي بعبارة أخرى هنا أيضًا في الولايات المتحدة يظن الناس” حسنًا هذه الكاتبة عملت عملًا خارقًا جدًا، هي تكتب بالإيطالية”. والعديد منهم يسألني:” لكن هذا الكتاب الصادر بالإيطالية استثناء صحيح؟ هو ليس جزءً من مسيرة أطول بالإيطالية صحيح؟ لكن ألن تعاودي الكتابة عني، عن عائلتي، عن تجاربي بعد الآن؟”

هذا النوع من التوقعات حمل ثقيل، ويخطف شهيتي للكتابة ويبعدها. أفضل حينها أن أجد وظيفة أخرى. لأن الكتابة بالنسبة لي تعني الحرية، ولذا حين أجد نفسي في قفصٍ، في فخ، أو أمام شخص ما يقول لي: “لا، عليك أن تكتبي هكذا، بهذه اللغة، عن هذه المواضيع وهذه الحالات”. يعتريني شعورٌ بغيض. طبعًا على الواحد أن يتوقع دومًا أن يُنتقد ويحكم عليه، لكن يمكن لبعض الأحكام أن تؤذي.

ف ب: أي نقد يؤذيكِ أشد إيذاء؟

ج لا: “عليكِ أن تتبعي هذا المسار، عليكِ أن تنصاعي، عليكِ أن تكتبي للآخرين”. حسنًا، لا أظن ذلك. أعرف أن الكتابة شكلٌ من أشكال التعبير عن الذات، من التواصل. لكنها ليست للقارئ. بالطبع سيوجد دومًا قارئ، لكني حين أكتب لا أفكر بالشخص المفترض.

أظن أن العديد من الكتاب الناجحين يكتبون مستحضرين القارئ منذ البدايات وهذا خطرٌ جدًا. حين تحدثتُ عن مشروعي الشخصي هذا منذ سنوات مضت قال لي العديد:” لا تفعلي ذلك، هذه خطوة خاطئة، لستِ مضطرة لذلك، إياكِ”. ولا أتحدث هنا عن الكتاب الإيطاليين، إذ أن معظمهم كان من الكتاب الأمريكيين. سألتهم حينها لِم، لِم لا أفعل؟ لا أفهم تلك الفكرة السابقة في أذهانهم. وحينها أجابوني: “لا يحتاج القارئ هذه التجربة”. حسنًا، لا أوافق على ذلك؛ لأني أعتقد أن الكتابة يجب أن تكون دومًا فعلًا أنانيًا. لربما صدر الكتابة وبلغ أحدًا آخر في مرحلة ما بعد سنوات، وربما لا، لكن خيار الكتابة وفكرة كهذه راسخة في عقلي وماثلة ليس اختياري. الكتابة قبل كل شيء هي حوار داخلي.

ف ب: وإلا لن تكوني قادرة على منح القارئ عملًا صادقًا أصيلًا؟

ج لا: بالضبط. هذه طريقتي للكتابة، لطالما كانت كذلك، حتى مع كتبي الأولى، وحين كنتُ أكتب بالإنجليزية أيضًا. الكتابة بالإيطالية مسار عسير وشاق، مسار خاصٌ جدًا، حيث لا أشعر أبدًا بالأمان. لكن هكذا يُفترض بالوضع أن يكون، هذا الإحساس حسنٌ بالنسبة لي، ومن المهم لي أن أتابع وأستمر.

ف ب: تقولين بأن لغتك الأم البنغالية بمعنى ما هي أول اللغات الأجنبية بالنسبة لك. مولدة في إنجلترا لأبوين بنغاليين وناشئة في الولايات المتحدة وكتبت مرة أنك “منفية حتى من تعريف النفي”. نشأتِ بين لغتين لكنكِ لم تشعري بأن أيًا منها ينتمي لك… كيف ساهم هذا بدفعك نحو لغة ثالثة؟

ج لا: كنتُ بلا شك مدفوعة برغبتي بنعت لغة ما لغتي. كنتُ على علاقة مقربة جدًا باللغة الإيطالية و حبٍ غامر هائل. حين كنتُ شابة رغبتُ بامتلاك لغة أخرى، وبلوغ هوية محددة بها، بلوغ ثقافة، بلد، وطن. الآن يبدو لي تعريف الحيازة والامتلاك كفخ آخر. ولا خطأ أبدًا في أن أخوض دومًا علاقة غريبة مع لغة حياتي. ولا بأس بهذا الفصل البسيط الضئيل بيني وبين الإيطالية رغم أنه مؤلم. كل علاقة بلغة تختارها وتحبها هو مسار تصاعدي: مدهشٌ، ممتعٌ، يملؤوه الكثير من التقلبات. مسير حياة.

الإيطالية هي اللغة التي اخترتها، لا أقول إنها “أجنبية”؛ لأنني حين أتحدث وأقرأ بالإيطالية أشعر بأنني في منزلي. أشعر بحس الانتماء هذا حتى ولو لم يكن حقيقيًا لأني لستُ إيطالية. لا تنتمي الإيطالية لي بالكلية، لكنها أيضًا تنتمي لي لأنها علاقة اخترتها ورغبتُ بها بشدة. أما الإنجليزية والبنغالية فالمشكلة أنهما فُرضتا عليّ. بينما الإيطالية هي طريق غير مفاجئ، غير متوقع، وظهر من أعماقي ومن اختياري. الإنجليزية جاءت من البيئة والمحيط؛ لأني نشأتُ هنا.

ف ب: كما قلتِ في الكتاب لم تكن الإنجليزية لغة أحببتها.

ج لا: بالضبط. كذلك كانت العلاقة بالبنغالية أيضًا بعيدة عن الكمال، غريبة وإجبارية مفروضة. وهي تمثل الآن والداي لأنها لغة أحدثهما هما فيها فقط. نعم، أزور كلكتا بين حين وآخر، لدي عددٌ من الأقارب، وهنا في الولايات المتحدة لوالدي شبكة كبيرة من المعارف، لذا تعيش اللغة وتستمر، تحيا. لكنها دومًا مُصفاة بهم، لطالما كانوا هم وعائها. ليس لي حياة مستقلة بالبنغالية، دومًا أشعر بأنني ابنة، فتاة صغيرة. لكني كنتُ في كلكتا وحدي لأول مرة في ديسمبر/كانون الأول المنصرم، وطبعًا كان علي أن أتحدث بالبنغالية دون حضور أما أو أبي.

ف ب: وكيف كانت تلك التجربة؟

ج لا: شيقة، جميلة. حاجة ماسة.

ف ب: هناك نص ممتع في الكتاب تقولين فيه أن الجميع يتوقع دومًا أنك لا تتحدثين اللغات التي أنتِ تتقنينها في الحقيقة.

ج لا: نعم، يُدهشني هذا الأمر طوال الوقت. هذا يحدث حقًا. يحادثني الجميع في إيطاليا بالإنجليزية، كل المحادثات هي “أوه، المعذرة”. أما في بروكلين فلا يحدث هذا بمثل هذا التكرار؛ لأنها بروكلين بعينها، لكن أحيانًا يسألني أحدهم “أوه، أنتِ تتحدثين الإنجليزية؟ أنتِ تفهمين ما أقوله؟” و طبعًا في الهند كذلك: يعتقد الجميع هناك أنني أجنبية، مهجنة، مخلوقٌ بلا لغة أم.

ف ب: ابتكرت في الكتاب تعريفًا يشرح هذا الإحساس أسميته: “فجوة أصولي”. لكن أليس أصلك أغنى تحديدًا لأنك متعددة الأوجه؟ أليست بمعنى ما كمال شامل لا فجوة فارغة؟

ج لا: نعم، هو ذلك. لكن على الواحد أن يعيه ويفهمه. وكان ذلك صعبًا في حالتي. الهوية بالنسبة لأمي -مثلًا- إما أسود أو أبيض: إما أنكِ هندية أو أنكِ شخص آخر. حين كنتُ طفلة كان الناس يسألونني دومًا: “إذًا جومبا ستتزوجين هنديًا أم أمريكيًا؟” كان هذا السؤال كابوسي لسنوات. ودومًا ما يكون هناك خياران لا ثالث أبدًا! هندي أو أمريكي كما لو أنه لا وجود لأي احتمالات أخرى. وكنتُ أفكر هناك الكثير من الدول بينهما! ربما سأتزوج روسيًا أو يونانيًا! وفي واقع الأمر تزوجتُ يونانيًا.

وهنا وُجد اختيارٌ غير مفاجئ: لا أمريكي ولا هندي ولكن يوناني.

فكرة الاختيار ممتعة: ماذا يعني أن تختار؟ حين كنتُ طفلة كان ذلك يزعجني ويضايقني: لِم عليّ أن أختار؟ أما الآن ففكرة أن لي حق الاختيار تروقني. أختار الإيطالية، أختار أن تكون حياتي أكثر تنوعًا وتعددًا، أختار ثلاثيًا أحسن لي. أعلم في أعماقي أني أنتمي لعددٍ من الكيانات والأشياء: عائلتي، أطفالي، زوجي، أصدقائي، أدبي، هيكل الكُتاب الذين أحبهم حبًا شديدًا. وأنتمي للإيطالية. الإيطالية عشقي، بعضٌ من هويتي.

ف ب: كيف بدأ هذا العشق؟

ج لا: كل شيء بدأ من اللغة. هذه الكنبة التي تجلسين عليها هي نفس الكنبة التي اعتادت أن تجلس عليها معلمتي في اللغة الإيطالية خلال دروسي الأولى. ثم وباللغة بدأت العلاقة العجيبة والغامرة بروما. غيرت اللغة كل شيء: منحتني حياة إضافية. بل ولها حتى أثرٌ على سني. لأني أشعر أنني شابة مرة أخرى، أشعر بأني مغرمة، والمدهش أن هذه المشاعر ليست لشخصٍ ما ولكن للغة، بل وهو حتى أفضل. إنها إثراء، وهي تسمح لي بمنح حياة إضافية ولغة جديدة لأبنائي أيضًا. بعد بضعة أسابيع سنعود إلى روما حيث نملك هناك أيضًا منزلًا، عددًا من الأصدقاء، طقوسًا معينة. منحتني الإيطالية الكثير جدًا، الكثير جدًا، الكثير جدًا. وفي هذه المرحلة يصعب عليّ البقاء هنا في أمريكا. أفتقد روما طيلة الوقت.

ف ب: بما تشعرين حين لا تكونين في إيطاليا؟

ج لا: ليس الأمر بسيطًا: الحياة هنا مختلفة كليًا. المسافة والبعد، والابتعاد عن اللغة كلها أمور توجعني جدًا. ولحسن حظي نجحتُ بإحاطة نفسي بالعديد من الأشخاص وبأصدقاء إيطاليين جدد هنا في نيويورك وفي برينستون، لكن حتى فكرة ابتعادي عن إيطاليا البسيطة مؤلمة. القراءة مفيدة جدًا في هذه الحالة: أقرأ تقريبًا بالإيطالية فقط، وأحاول أن أتحدث بالإيطالية ولو لمرة واحدة يوميًا. اليوم صباحًا مثلًا استيقظتُ سعيدة لأنني عرفتُ أنك قادمة هنا لأجل هذه المقابلة وقلتُ لنفسي: “لا تقلقي جومبا، سيكون عندك اليوم فرصة للتحدث بالإيطالية بعدة ساعات!” لكن القراءة جوهرية. الكتاب سترة نجاة.

ف ب: هل حاولتِ يومًا أن تجدي سببًا عميقًا لهذا الحب الشديد غير القابل للتفسير؟ هل سبق وأن قلتِ لنفسكِ: ماذا لو أن هناك سببًا خفيًا وراء هذا؟

ج لا: ما أعرفه على وجه الدقة أنني كنتُ أبحث عن السعادة، ووجدتها في الإيطالية. في المرة الأولى التي رأيت فيها روما وبعد عدة ساعات قلتُ لزوجي: عليّ قطعًا أن أعيش في هذه المدينة. ولا أكترث بالسبب، كنتُ مغمورة بالشعور، بالحاجة الملحة للتواجد في مكان ما وخلق علاقة مع هذا المكان. كما حدث في فلورنسا منذ عشرين سنة مضت حين سمعتُ الإيطالية للمرة الأولى وفكرت: عليّ أن أخلق علاقة بهذه اللغة وإلا سيظل جزءٌ مني مفقودًا للأبد.

ف ب: كما لو أنكِ تعودين لبيتكِ، لكن إلى مكان لم يكن كذلك قبلًا. شعرتُ بهذا الإحساس أولًا تجاه الإنجليزية، ثم تجاه نيويورك.

ج لا: هو كذلك بالضبط. شعورٌ غريبٌ ورائع. كالوقوع في الحب: ذلك هو التفسير الوحيد. أعتقد أن الاختيار طبيعي لبعض الأشخاص، أولئك ذوي الهويات الأقل ثباتًا في مرحلة ما لبقعة أخرى ولغة أخرى كذلك. والدي مثلًا اختار أن يبتعد عن الهند، أن يجيء إلى الولايات المتحدة بعد عدة سنوات في لندن. كانت الولايات المتحدة بالنسبة له كروما بالنسبة لي. يبلغ الآن السادسة والثمانين من عمره وهو سعيدٌ حقًا بإيجاده لهذا المكان، وبخلقه لحياة له هنا، حياة أطول. أفكر عادةً: لِم روما، لِم الإيطالية، لِم هذه اللغة لا لغة أخرى؟ لكني لستُ مهتمة بالسبب، مهتمة بالطريقة. كيف لي أن أعمق علاقتي بالإيطالية أكثر، كيف لي أن أظل في روما أكثر. الحب -أظن- لا يطرح أسئلة: ليس هناك لِم، أنت تقع في الحب، والحب كافٍ.

ف ب: كنتِ تقولين لي قبلًا أن بين الهند وإيطاليا قواسم مشتركة عديدة.

ج لا: حتمًا: حضارتان عريقتان، أهمية العائلة والجذور، تعدد اللهجات، دور الطعام الجوهري. الولايات المتحدة من ناحية أخرى دولة مختلفة جدًا، دولة شابة، والتي غريبة بالنسبة لي أحيانًا. في إيطاليا، في روما، أشعر بنسبة أقل من الضياع والتيه.

ف ب: هل تلاحظين اختلافًا طفيفًا في شخصيتك حين تتحدثين هذه اللغات الثلاث؟ لو كان هناك ثلاث نسخ من جومبا كيف تبدو؟

ج لا: نعم، هناك ثلاث نسخ من جومبا. في إيطاليا برغم كل الجهد المستمر أنا أكثر ابتهاجًا، أخف. يخبرني الناس أنني أتبسم أكثر. وأنا أكثر نشاطًا أيضًا: إنه مسعى مستمر، مشروع حياتي. حين أدرك أنني لا أعرف كلمة ما أصبح نشطة حالًا. أدون ملاحظات طوال الوقت في دفتر أو حتى ذهنيًا. أنا دومًا فطنة يقظة، دقيقة. أما في الإنجليزية فأنا طبعًا أكثر ارتياحًا. فالعلاقة أكثر صلابة: إنها اللغة التي تعلمتُ بها كيف أكتب، اللغة التي درست بها. أنا أكثر ارتياحًا لكني في نفس الوقت أكثر حذرًا؛ لأن الإنجليزية كانت منذ البداية لغة الآخرين، اللغة المحكية خارج منزلي، اللغة التي كانت أمي تهابها بعض الشيء.

ف ب: كتبتِ “ما هو قادرٌ على تغيير حيواتنا قابعٌ خارج ذواتنا”. ما أول ما يخطر ببالك حين تفكرين بكم تغيرت حياتك منذ انخراطك بالإيطالية؟

ج لا: الأصدقاء. هذا جوهري وأساسي. أن أحظى بأصدقاء بالإيطالية. هم عديدون الآن والعلاقات بهم مميزة جدًا، مختلفة.

ف ب: لِم العلاقة بهؤلاء الأصدقاء مختلفة؟

ج لا: لا أعلم السبب تحديدًا، يشبه الأمر كما لو أنهم سجلٌ آخر، أكثر حميمية، أشد كرمًا. أشعر كما لو أننا أصدقاء منذ الأزل ” amici per la pelle” كما تقولون بالإيطالية (حرفيًا: “أصدقاء حتى الجلد”). هو أقرب لكونهم عائلتي.

ف ب: ما هي أعز ذكرى في قلبك عن سنتك الأولى في روما؟

ج لا: أحد الأيام في صيدلية. خلال أول شهر لنا في روما قررت ابنتي نور أن تخرم أذنيها، وأصيبت بالتهاب طفيف، حالة شائعة. قصدنا صيدلية وعالج الصيدلاني كل شيء بمودة ولطف. في تلك اللحظة أدركتُ حالًا أن روما مدينة عطوفة جدًا وشعرتُ كما لو أنني في وطني. كان ذلك الصيدلاني الشاب، المشرق جدًا، اللطيف جدًا. كانت نور تبكي في البداية، ثم بدأت تبتسم، ثم أصبحت تضحك، وشهدتُ ذلك بعيني. ورؤية أحدهم يتصرف هكذا كأم متعة حقيقية. استقرت هذه الذكرى فيّ كذكرى قوية، كذكرى حاسمة ومميزة.

ف ب: ما هي أشد لحظات إحباطك حين كنتِ تتعلمين اللغة؟

ج لا: زيارة، قبل انتقالي لروما. ذهبت لميلانو لأجل صدور أحد كتبي وهو (أرض العجائب) سنة 2008. وقبل مغادرة نيويورك دومًا على هذه الكنبة التي تجلسين عليها الآن كنت جالسة أحضر لزيارتي: رغبتُ حقًا بأن ألقي خطابًا قصيرًا، أن أقول شيئًا ما بالإيطالية في حضرة جمهور صغير، لربما حال حضور عشاء… أنت تعلمين كيف يكون الوضع حين يحضر مؤلف لإيطاليا وبعد الحدث هناك عشاء لعشرين شخص، وعليك في لحظة ما أن تقولي شيئًا وتقترحي نخبًا. حسنًا، أذكر أنني خلال الزيارة شعرتُ بحزنٍ شديد إذ صعب عليّ التحدث بالإيطالية. ورغبتُ بذلك رغبة شديدة جدًا! رغبتُ بأن أقدر على الرد بالإيطالية خلال المقابلات! لكني بدأتُ ذلك ولم أقدر على المتابعة، وسرعان ما كان على أحدهم يتدخل بالإنجليزية. كانت تلك الرحلة لميلانو محبطة جدًا. لكنها دفعتني للمتابعة وتحسين نفسي.

ف ب: أريد الآن أن تخبريني بقصة عن لحظة انتصار.

ج لا: في روما، في فترة ما وخلال عشاء. كنتُ قبل أن أتلفظ بأي شيء أركب الجملة كاملة في عقلي، من بدايتها وحتى نهايتها، ثم أتحدث. فجأة تلك الليلة توقفتُ عن فعل هذا. وتلك كانت الخطوة الحاسمة الأساسية: إذ تعني أنكِ أخيرًا مغمورة باللغة الجديدة وغارقة فيها. تفكرين بالإيطالية دون أن تلحظي ذلك. منذ تلك اللحظة ظهر التغير البارز والمميز.

ف ب: جومبا هو لقبك. كان هو الاسم الذي عرفتك به عائلتك، وثم أصدقائك في المدرسة؛ لأن اسمك الحقيقي هو نيلانجانا سوديشينا كان صعبًا جدًا. كيف شعرتِ كون العالم كله يناديك باسم خاص؟ هل يعتاد الواحد أمرًا كهذا يومًا؟

ج لا: الآن نعم. لم يكن بيدي الخيار حينها. اعتاد الإيطاليون -عليّ أن أقول هذا- على لفظ اسمي لفظًا صحيحًا. بينما لا يتقن الأمريكان النطق مع الأسف. يلفظون جومبا بإضافة ألف وهذا يجعلني أرغب بالبكاء! من الواضح طبعًا أن جومبا ليس اسمًا إيطاليًا لكن الإيطاليين قادرون على نطقه. وهذه بالنسبة لي علامة أخرى: أقول لنفسي لربما أنتمي فعلًا لهذه اللغة، لهؤلاء الناس، لهذا المكان.

ف ب: قبل كتابتك لهذا الكتاب كتبتِ مجموعتين قصصيتين وروايتين. كتابة الرواية وكتابة القصة القصيرة صنعتين مختلفتين، أعتقد: أن كتاب القصة القصيرة هم صنف مختلفُ من الكتاب. ينقشون الكلمات بالإزميل. ما أكثر ما يروقك في كتابة القصص القصيرة؟

ج لا: الاهتمام والعناية بكل كلمة بعينها، وكذلك مساراتها. هي أشد متعة، اقصر، وأكثر تركيزًا وكثافة. أنت أصلًا أنهيت مُسبقًا جملة في عقلك. أخبر طلابي: في القصة القصيرة على كل كلمة، وكل تركيب وجملة أن يكون لها دور، وإلا فإن عليها أن تختفي وتحذف. حين كنتُ أكتب مجموعتي الثانية أرض العجائب كانت هناك قصصٌ أطول؛ لأني كنتُ متأثرة بأليس مونرو، مافيز جالانت، ورغبتُ بأن أكتب نوعًا أطول وأعمق من القصص القصيرة. أما المجموعة الأولى فكانت أكثر تأثرًا بغارسيا ماركيز، تشيخوف، وبكتاباتهم المهمة المقتضبة. الآن بالإيطالية أصبحت كتابتي كتلك: أكثر بساطة.

ف ب: متى أدركتِ أنكِ ترغبين بأن تصبحي كاتبة ولِم؟

ج لا: احتجتُ ردحًا من الزمن لأبلغ تلك اللحظة، لأصل لقرار أن أصبح كاتبة، لأحاول أن أصبح كذلك. كنتُ في الثلاثين من عمري. ويصدمني الآن بما أنني أدرس في الجامعة كيف لطلابي الذين هم صغار جدًا بالعمر أن يعرفوا ما يريدونه عن أنفسهم مُسبقًا. إنها صدمة. كنتُ أكثر تشتتًا وحيرةً في عمرهم.

ف ب: إذًا لم تكوني أحد هؤلاء الأطفال الذين حلموا بأن يكونوا كتابًا؟

ج لا: لا، بدا الأمر حينها كحلم لا يُمكن بلوغه، تصريح قويٌ جدًا. كنتُ كطفلة ومراهقة غير مستقرة، ضائعة، خجولة. لكن الخجل عادة ما يُزهر نداءً إبداعيًا. فالممثلون مثلًا عادةً خجولين. والكُتاب كذلك؛ لأنهم مجملًا يكونون الأشخاص الذين قرأوا في طفولتهم ومراهقتهم كثيرًا، كانوا وحيدين وصامتين. العزلة عنصرٌ جوهري للكاتب.

في حالتي أصبح هذا الدرب أوضح حين بلغتُ الثلاثين. حصلتُ على الدكتوراة في بوسطن، وكنتُ أرزح تحت ضغط شديد: كان والداي يرغبان بذلك بشدة، كانا يريدانني أن أتابع مسيرتي وأحصل على وظيفة عملية كالتدريس في الجامعة. رغم ذلك وفي مرحلة ما بعد إنهائي للدكتوراة قررتُ ألا أبحث عن وظيفة في الجامعة، وابتعدتُ عنها: تلقيتُ زمالة في مكان رائع وهو مؤسسة ( Fine Art Works Center of Provincetown) في كِاب كود والتي تمنح كل سنة مبلغًا من المال لمجموعة صغيرة من الفنانين والكُتاب ليعشوا في عزلة. كانت فرصة رائعة للعيش في مكان فاتن كهذا في الشتاء، لامتلاك كل هذا الوقت بين يديك، والطبيعة تحيط بك. كان الانعزال والانسحاب من الحياة فرصة مهمة للكتابة: كانت سبعة أشهر في كِاب كود تبدو كحياة كاملة. وهناك حيث بدأتُ: حيث بدأ إخلاصي ومساري.

ف ب: ما هو الدرس الأساسي الذي تحاولين تعليمه لطلابك في برينيستون؟

ج لا: أهمية القراءة. عليك أن تقرأ، تقرأ، تقرأ. درستُ هذه السنة المؤلفين الإيطاليين عد بعض الاستثناءات. خصصتُ الفصل الماضي لكُتاب مرتبطين بمدينة تورينو. قرأنا روايتين لتيشزاري بافيزي، ثم ناتاليا غينزبرج، بريمو ليفي، إيتالو كالفينو. كان الفصل بأكمله تقريبًا عن موضوع واحد وهو دار نشر (Einaudi)! استمتعتُ بذلك، وكان الوضع مشوقًا أيضًا. سألتهم: “يا جماعة أقرأتم لتيشزاري بافيزي؟” الصمت المطبق كان هو الجواب. بافيزي بالنسبة لي مصدر إلهام دائم. “يا جماعة ناتاليا غينزبرج؟” الصمت. وكذلك كان الوضع بالنسبة للبقية. القدرة على تقديم هؤلاء الكُتاب الذين هم الآن أساسيون بالنسبة لي أوه كم هو شعور جميلٌ جدًا. مع الأسف أن المنهج بالإنجليزية لذا كل شيء مُترجم. لكن هذه -أرجو- أن تكون مساهمتي البسيطة.

أخبر طلابي أني لا أستطيع تعليمهم أي شيء؛ لأن المعلمين الحقيقين موجودون على الرفوف. أقول لهم: فكروا بما أحاول إيصاله لكم في الفصل، لكن ثم اذهبوا إلى المكتبة؛ لأن الكتابة الحقيقية موجودة هناك.

ف ب: ترجمتِ رواية (Ties) لدومينيكو ستارنون. وأنتِ وهو صديقان مقربان جدًا: كيف هي تجربة ترجمة عمل لصديق عزيز؟

ج لا: تخلق هذه التجربة رابطًا إضافيًا، أكثر عمقًا وتعقيدًا. إنها تحدي استثنائي، وكذلك امتياز وتشريف، أن أترجم كلمات كاتب قوي للإنجليزية. كان يمكن أن تكون ترجمته خطرة؛ لأن العلاقة بين الكاتب ومترجمه دومًا ما تكون حساسة؛ ولأن دومينيكو قادرٌ على القراءة بالإنجليزية وقادرٌ بذلك على تقيم عملي. لكنه يثق بي وهذا مطمئن جدًا. أنهيتُ لتوي ترجمة رواية أخرى من رواياته (Scherzetto ) وأنا منغمسة كليًا بعالمه. افتقدته أصلًا! امتلاك الفرصة لأن أكون في عالمه لعدة شهور، تخصيص وقت يوميًا للخوض في كلماته كانت رحلة استثنائية، ومنحني صوته رفقة عظيمة بينما كنتُ أدرس في حرم جامعة برينسيتون. وهنا تبادل الرسائل في الواتس آب. أسأله أحيانًا: “ماذا كنتَ تقصد بهذا النص، بهذه الكلمة؟”

ف ب: منحتِ وسام استحقاق الجمهورية الإيطالية وهو أحد أهم الأوسمة عندنا في إيطاليا. أعرف ما تعنيه إيطاليا لكِ لذا أود أن أعرف كيف جعلك هذا تشعرين. أراهن أنه كان مُؤثرًا.

ج لا: مؤثرٌ للغاية. تأثرتُ كثيرًا ولمس ذلك أعماقي. كنتُ دومًا مندهشة من انفتاح إيطاليا- من مدى الترحيب الذي شعرتُ به- لكن هذا التكريم فاجآني، وكان حدثًا فارقًا في حياتي. أفكر بالسنوات الخمس التي قضيتها في هذا الدرب نحو الإيطالية، وأنا ممتنة جدًا لكل خطوة مشيتها فيه. إنه درب اخترته لحياتي.

ف ب: سؤال واحد أخير: “تنبع الحاجة للكتابة من اليأس ومن الأمل”. بالنسبة لكِ ما كان اليأس وما كان الأمل؟

ج لا: كنتُ يائسة لأنني لم أرغب بأن أقبل بمسارٍ آخر أكثر أمانًا. اخترتُ الطريق الأكثر خطورة، لكنه الطريق المناسب لي والذي سيجعلني في نهاية المطاف سعيدة، الطريق الذي سيجعلني شخصًا وامرأةً أكثر وعيًا وإدراكًا. ولا أتحدث عن النجاح. أعني: ممارسة ما أحب وكسب عيشي منه. ذلك هو الأمل.

الهوامش:

* صحفية إيطالية تعيش في نيويورك، عملت قبل أن تنتقل للولايات المتحدة في النشر لسنوات في إيطاليا (وما زالت، لدار نشر إيطالية متخصصة بالأدب الأمريكي). الكتب هي نزهتها وعشقها الأبدي

(1): صدر حديثًا عن دار سطور العراقية.

رأي واحد على “ما الذي أحاول أن أخلفه؟ (لقاء بجومبا لاهيري)

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s