رجال بلا نساء:هاروكي موراكامي (قصة قصيرة)

وردت تلك المكالمة بعد الواحدة ليلًا وأيقظتني. يبدو رنين الهواتف دومًا في منتصف الليل قاسيًا و مزعجًا كصرير آلة معدنية همجية موجودة هناك لتدمير العالم. شعرتُ بأنها مهمتي كفردٍ من العرق البشري هو إيقافها، ولذا نهضتُ من سريري بخطى خافتة إلى غرفة المعيشة ورفعتُ سماعة الهاتف.

أعلمني صوتٌ منخفض لرجل أن امرأةً اختفت من هذا العالم للأبد. كان صاحب الصوت هو زوجها أو هذا ما قاله وتابع قائلًا: زوجتي انتحرت الأربعاء الماضي. على أية حال اعتقدتُ بأن عليّ إخبارك. على أية حال. بقدر ما فهمت لم يكن هناك أي ذرة من المشاعر في صوته، بدا كما لو أنه يقرأ سطورًا يُفترض أن تكون برقية، بالكاد وُجدت أي مسافات بين الكلمات،إعلان بسيط  صرف غير مزخرف. نقطة.

ماذا قلتُ بالمقابل؟ بالطبع قلتُ شيئًا لكني لا أستطيع تذكره. على أي حال امتدت فترة من الصمت كحفرة عميقة في منتصف الطريق الذي كان كلانا يحدق فيه كلٌ من الطرف المقابل. ثم ودون أن ينطق بكلمة كما لو أنه يضع قطعة فنية هشة بلطف على الأرض أغلق الرجل الخط،كنتُ واقفًا هناك مرتديًا كنزةً بيضاء وسروالًا داخليًا أزرقًا ومتشبثًا بسماعة الهاتف دون أي جدوى.

كيف عرف عني؟ لا أملك أدنى فكرة. هل ذكرت اسمي لزوجها كحبيب سابق؟ لكن لمَ؟ وكيف عرف رقم هاتفي (غير المسجل)؟ لم أنا أصلًا؟ لم تكلف زوجها مشقة الاتصال بي لإعلامي أن زوجته ماتت؟ لم أستطع تخيل أنها خلفت ورائها طلبًا كهذا في رسالة وداع أخيرة؟ انفصلنا منذ سنوات مضت ولم نلتقِ منذ ذاك الحين أبدًا ولا مرةً حتى، بل ولم نتحادث بالهاتف حتى.

لا ليس لهذا أي علاقة بالأمر، المشكلة الأكبر أنه لم يشرح أي شيء لي أبدًا. فهو اعتقد أن عليه أن يعلمني أن زوجته قتلت نفسها وبطريقة ما وصل إلى رقم هاتفي. لكن لا شيء أكثر من ذلك. يبدو أن نيته كانت أن يدعني عالقًا في مكانٍ ما في المنتصف متعلقًا بين المعرفة والجهل ولكن لمَ؟ ليدفعني للتفكير بشيء ما؟ ماذا مثلًا؟

كنت حائرًا بلا أي دليل. تضاعف عددُ علامات الاستفهام كطفل يطبع علامات بختم مطاطي على طول صفحة من دفتر.

إذًا ما زلتُ لا أعرف لم قتلت نفسها أو كيف فعلت ذلك حتى. و لو أردت أن أستعلم عن ذلك فلم يكن هناك أي طريقة ممكنة لذلك،لم أملك أدنى فكرة أين كانت تسكن،و بصراحة لم أكن أعرف أنها متزوجة. وبذلك لم أكن أعلم اسمها بعد الزواج (والرجل الذي اتصل لم يعطني اسمه). منذ متى وهما متزوجان؟ هل أنجبا طفل أو أطفال؟

مع ذلك قبلتُ ما أخبرني به زوجها.لم أشك به. فبعد ما تركتني كان عليها أن تتابع حياتها في هذا العالم،أن تقع في حب أحدٍ آخر،أن تتزوجه،والأربعاء الماضي -لأي سبب وبأي طريقة كانت- أنهت حياتها. على أية حال.من المؤكد أن شيئًا ما في نبرة صوت الرجل ربطته بشدة إلى عالم الأموات. في صمت الليل المتأخر كنتُ قادرًا على سماع هذا الرابط والتقاط وميضٍ من ذلك الخيط المشدود. إذًا الاتصال بي هكذا بعد الواحدة صباحًا -سواء كانت مكالمة دولية أم لا- كان هو القرار الصحيح. ولو كان اتصل بي في الساعة الواحدة ظهرًا لا ما أحسستُ هكذا مطلقًا.

حينما وضعتُ السماعة وقفلتُ عائدًا إلى السرير كانت زوجتي مُستيقظة سألتني: “عمَ كانت تلك المكالمة؟ هل مات أحد؟” “لم يمت أحد. أحدهم أخطأ بالرقم” أجبتها بصوت خفيض وناعس.

لم تصدق زوجتي ذاك الكلام بالطبع فصوتي أنا أيضًا أصبح الآن مخضبًا بالموت. فذاك النوع من المشاعر المقلقة التي يسببها موت أحدهم معدٍ جدًا،فهو انتقل من خط الهاتف كرعشة خافتة محولًا إيقاع الكلمات وجاعلًا العالم في تزامن مع اهتزازته. استلقى كلانا في ذاك الظلام منصتًا بحذر للصمت وغارقًا كلٌ منا في أفكاره.

كانت هذه ثالث امرأة من بين النساء اللاتي واعدتهن تنتحر. إذا فكرت بالأمر -ولست حقًا بحاجة لذلك نظرًا لأنه أمرٌ واضح- فهذا معدل مرتفع جدًا إلى حد مشؤوم.لم أستطع تصديق ذلك.لم أواعد كثيرًا من النساء في حياتي. كان السبب الذي دفع هؤلاء النسوة اللاتي ما زلنّ شابات لقتلن أنفسهن أو شعرن بأنهن مجبرات على ذلك يتخطى حدود فهمي. تمنيتُ ألا يكون ذلك بسببي أو مرتبطًا بشكل أو بآخر بي. وتمنيتُ أنهن لم يتوقعن أني سأكون شاهدًا على موتهن.في أعماقي دعوتُ ليكون الأمر هكذا.و كيف عليّ أن أصيغ ذلك؟ هذه المرأة:المرأة الثالثة “عدم تسميتها باسم يجعل الوضع يبدو محرجًا لذا سأسميها (م) ” لم تكن من النوع الذي ينتحر. بعيدة عن ذلك.أعني كان حولها كل البحارة مفتولي العضلات في العالم لحمايتها والانتباه لها.

لا أستطيع أن أكشف عن أي تفاصيل خاصة عن أي نوع من النساء كانت “م” أو كيف تقابلنا أو عما فعلناه سويًا. فلو كشفت هذه الحقائق لربما تسببت بمشاكل لمن بقي على قيد الحياة. لذا كل ما يمكننا أن أكتبه هنا أنها وإياي كنا مقربين جدًا منذ زمن بعيد وفي لحظة معينة انفصلنا.

بصراحة أحب أن أعتقد أني قابلتُ “م” حين كانت في الرابعة عشر من عمرها. لم يحدث هذا حقًا ولكن هنا على الأقل أحب أن أتخيل أن هذا هو ما حدث فعلًا. حين تقابلنا كنا في الرابعة عشر من عمرنا في أحد فصول المدرسة الإعدادية. كان فصل مادة الأحياء كما أذكر،شيءٌ ما حول أصداف الأمونيت والأسماك شوكية الجوف.كانت في المقعد المجاور لي “نسيتُ ممحاتي” قلت لها “إذا كنتِ تملكين ممحاة زائدة هل أعرتني إياها؟”.أخذت ممحاتها و قسمتها إلى نصفين وأعطتني أحدهما. وابتسمت ابتسامة واسعة. وكما يقولون في تلك الثانية وقعت في الحب. كانت أجمل فتاة رأيتها في حياتي على الإطلاق. على الأقل هذا ما شعرت به حينها. هكذا أفضل أن أراها،كما لو أننا تقابلنا للمرة الأولى هكذا،في فصل دراسي في المدرسة الإعدادية.جمعتنا شفاعة أصداف الأمونيت والأسماك شوكية الحواف،شفاعة هادئة ولكنها طاغية. التفكير بهذه الطريقة يجعل كل الأشياء أسهل لتقبلها.

كنتُ فتى يانع ذو صحة جيدة في الرابعة عشر من عمري،و لذا لم أحتج إلا أكثر من رياح غربية دافئة لتهب فتلفت الانتباه إلى عضوي،هكذا كان عمري آنذاك.لا يعني ذلك أنها تسببت بانتصابه،فهي تفوقت على أي رياح غربية،وليس الرياح الغربية فقط.كانت مثيرةً جدًا لدرجة أنها تسببت ببساطة باختفاء الرياح من كل الاتجاهات.مقابلة فتاة مُدهشة كهذه كيف يمكنني حتى أن أفكر بالانتصاب القذر؟ كانت هذه أول مرة في حياتي أقابل فتاة جعلتني أشعر هكذا.

يراودني إحساس بأن هذا حصل لأول مرة حين قابلت (م).لم بحدث هذا حقًا هكذا إلا التفكير به على هذا النحو يضع كل شيء في موضعه المناسب.كنتُ في الرابعة عشر من عمري وكذلك كانت هي.كان ذلك العمر هو أفضل عمر لنتقابل لأول مرة.هكذا كان علينا حقًا أنت نتقابل.

لكن قبل أن أعرف ذلك رحلت (م) إلى أين لا أعرف.في أحد الأيام ما عدتُ أراها.التفتُ لحظة وحين عدتُ بنظري اختفت.موجودة في دقيقة ثم اختفت في الأخرى.لابد أن بحارًا ماهرًا دعاها لتهرب معه إلى مارسيليا أو إلى ساحل العاج.كان يأسي أعمق من أي محيط ربما عبراها.أعمق من أي بحرٍ غاص فيه الحبار العملاق وتنانين البحر.بدأتُ أكره نفسي.فقدتُ إيماني بأي شيء.كيف بحق الجحيم حصل هذا؟ هذا كان مقدار حبي لـ (م)و كم عنت لي.كم احتجتُ لها.لم أشحتُ بنظري أصلًا؟

وبالمقابل ومنذ تلك اللحظة أصبحت (م) في كل مكان.كنتُ أراها في كل مكان أذهب إليه.كانت جزءً من أماكن عديدة وأزمنة عديدة وأشخاص عدة.وضعتُ الممحاة في كيس بلاستيكي وحملتها معي في كل مكان كتميمة. أو كبوصلة.طالما هي في جيبي عرفتُ أني يومًا ما في مكان ما سأجد (م) مرةً أخرى.كنتُ واثقًا من ذلك.لابد أن بحارًا عذب الكلام أقنعها بكلام معسول أن تركب سفينته الضخمة و فر بها بعيدًا هذا ما حدث.فهي لطالما كانت ذاك النوع من الفتيات اللاتي يثقن بالآخرين.النوع الذي سيقسم ممحاة جديدة إلى نصفين لتمنح أحدهما لفتى لا تعرفه حتى.

حاولتُ أن أجمع بعض أدلةٍ عن مكانها،عن كل الأماكن الممكنة وكل الأناس المحتملين.لكن هذا لم يكن سوى قصاصات،محض أجزاء غير مترابطة.لا يهم مدى استمرارك بجمع الأجزاء فهي تبقى كما هي.اختفى جوهرها دومًا كنا لو أنها سراب،وعلى الأرض كان الأفق لا نهائي كذاك الذي على البحر.لاحقتها بانشغال متنقلًا من بقعة إلى أخرى: من بومباي إلى كيب تاون،و من ريكيافيك إلى جزر البهاما.زرتُ كل الأماكن التي تحوي مرافئ ولكن حين وصلت كانت هي قد رحلت مسبقًا. ولم يبقى سوى أثرٍ باهت لدفئها في سرير غير مرتب.في وشاحها الذي يحوي تصميمه دوامات معلقًا على ظهر الكرسي.في كتاب غير مكتمل القراءة صفحاته مفتوحة على الطاولة.جورب نصف مبتل معلق ليجف في الحمام.لكنها ما عادت هناك.استشعر البحارة الماكرين حول العالم قدومي وعلى عجل انتزعوها بعيدًا وأخفوها مرةً أخرى.بحلول ذلك الوقت لم أعد طبعًا في الرابعة عشر من عمري، أصبحتُ مسفوعًا أكثر بفعل الشمس وأقوى.كانت لحيتي كثة أكثر وكنتُ اعرف الفرق بين المجاز و التشبيه.لكن بعضًا مني بقي في الرابعة عشر.وذاك الجزء الذي بقي للأبد في الرابعة عشر انتظر بصبر شديد رياحًا غربية لطيفة لتداعب قضيبي البريء.حيثما هبت تلك الريح الغربية من المؤكد أن (م) ستكون موجودة.

هذا ما كانت (م) تعنيه بالنسبة لي.

امرأة لا تثبت أبدًا في مكانٍ واحد.

لكن ليست امرأة تنهي حياتها بنفسها.

لستُ متأكدًا حقيقة مما أحاول قوله هنا.ربما هو الكتابة عن الجوهر بدلًا من الحقيقة.لكن الكتابة عن الجوهر غير الحقيقي تشبه محاولة ملاقاة أحدهم في الجانب المظلم من القمر.مكان قاتم ومجرد من أي معلم وكبير جدًا.ما أحاول قوله أن (م) هي المرأة التي كان يُفترض أن أقع في حبها حين كنتُ في الرابعة عشر من عمري.لكني وقعتُ في حبها بعد سنين طويلة جدًا وحينها لم تعد هي في الرابعة عشر ثانية.كنّا مخطئين بشأن الزمن الذي كان علينا أن نلتقي فيه.كما لو أنك تنسى متى يُفترض بك أن تقابل أحدهم.تحدد وقتًا من اليوم و تختاره لكنك تخطأ في تقدير اليوم.

لكن الفتاة ذات الأربعة عشر عامًا ما زلت تسكن فيها.كانت تلك الفتاة بأكملها في داخلها وليس بضعًا منها.إذا دققتُ النظر فيها كنتُ سأجد لمحة من تلك الفتاة تجيء وتذهب داخل (م).حين كانت تستلقي بين ذراعاي حال ممارستنا للحب كانت تتقدم في العمر للحظة ثم تعود شابة في اللحظة التالية.كانت تُسافر دومًا في منطقتها الزمنية الشخصية.وكنتُ أحبها لأجل ذلك.كنتُ أضمها بشدة،بشدة لدرجة أنها تتألم من ذلك كما تقول.لربما احتضنتها بشدة ولكني لم أستطع مقاومة ذلك.كنتُ لا أريد التخلي عنها.

لكن تلك بالطبع كانت اللحظة التي فقدتها فيها.في نهاية المطاف كانت على مرأى من كل البحارة حول العالم.لم يكن متوقعًا مني أن أحميها دومًا وحدي.لا أحد يمكن أن يبقي ناظريه على أحدهم كل ثانية.فعليك أن تنام وعليك أن تذهب إلى الحمام.تحتاج بعض الأحيان إلى تنظيف حوض الاستحمام.عليك أن تقطع البصل،عليك أن تنزع نهايات الفاصولياء.عليك أن تتأكد من مقدار الهواء في إطارات سيارتك.هكذا تركنا بعضنا البعض أو بالأحرى كيف تركتني هي.كانت أشباح البحارة الجلية موجودة دومًا في الخلفية.شبح واحد مظلم مستقل ينزلق على جدار مبنى.حوض الاستحمام والبصل وهواء الإطارات كانت كلها شذرات من مجاز نثرها ذاك الظل كدبابيس.

بعد أن رحلت لم يعلم أحد مدى تعاستي،مدى عمق الهاوية. أنى لهم أن يعرفوا؟ فأنا نفسي بالكاد أذكر. كم عانيت؟ كم مقدار الألم الذي عانيته؟ أتمنى لو أن هناك جهاز يقيس بدقة الحزن ويعرض النتيجة بأرقام يمكنك أن تسجلها.و ياللروعة لو كان ذاك الجهاز بحجم راحة يدك.أفكر بهذا الأمر في كل مرة أقيس مقدار الهواء الموجود في إطاراتي.

في النهاية ماتت.تلك المكالمة في منتصف الليل أوضحت ذلك.لا أعلم أين أو كيف أو لمَ أو ما الفائدة من ذلك،لكن (م) قررت إنهاء حياتها وإنهائها هو ما فعلته.و على الأرجح انسحبت بعدها بهدوء من العالم الحقيقي هذا.كل البحارة في العالم،وكل كلامهم المعسول لم يقدر على حمايتها الآن-أو حتى يخطفها- من أرض الموتى. لكن ربما لو أنصتَ بعناية في منتصف الليل -ربما أنت أيضًا- ستقدر على سماع رثاء البحارة البعيد المفجوع.

حين ماتت فقدتُ نفسي التي كانت في عمر الرابعة عشر.كإنجاز أحرزه لاعب بيسبول وانسحب إلى الأبد نهضت ذاتي ذات الأربعة عشر عامًا التي في داخلي ورحلت للأبد.و نفسي في ذاك العمر محبوسة الآن في خزنة محصنة، مغلقة بشكل معقد،مدفونة في قاع البحر.باب هذه الخزنة لن يفتح حتى مليارات السنين.حتى تلك اللحظة ستستمر أصداف الأمونيت والأسماك شوكية الجوف  بمراقبتنا بصمت.لن تهب الرياح الغربية اللطيفة مرة أخرى.سيرثي كل البحارة حول العالم رحيلها.ناهيك عن غير البحارة حول العالم. حين علمتُ بوفاة (م) شعرتُ قطعًا بأني ثاني أكثر رجلٍ وحيد على الكوكب.

يجب أن يكون الرجل الأكثر وحدة هو زوجها. أبقيت على ذلك المقعد لأجله.لا أملك أدنى فكرة عن أي نوع من الأشخاص هو.لا أعلم كم يبلغ من العمر.لا أملك أدنى معلومة عما يفعله أو لا يفعله.الشيء الوحيد الذي أعرفه هو أن له صوتًا عميقًا.لكن ذلك لا يمنحني أي معلومة.هل هو بحار؟ أم أنه شخص يعادي البحارة؟ إذا كان كذلك فهذا يجعله رفيقي.أما إذا كان العكس..فما زلتُ أكن له مشاعرًا. و أتمنى لو كان بمقدوري فعل شيء ما لأحرره من الألم.

لكن لم يكن هناك أي طريقة لإيجاد زوج حبيبتي السابقة.أنا لا أعرف اسمه،أو المكان الذي يقطن فيه. ربما يكون الآن قد خسر اسمه ومكانه.فهو في النهاية أكثر رجل وحيد في العالم.حين أخرج للمشي أحب أن أجلس قبالة تمثال الحصان وحيد القرن (الحديقة التي تحوي تحديدًا هذا التمثال هي في طريقي المعتاد) وبينما أحدق في الماء البارد للنافورة،أفكر بهذا الرجل.وأتخيل معنى أن تكون الرجل الأشد وحدة على الأرض.أنا أعرف مُسبقًا معنى أن تكون ثاني أشد رجل وحدة على الأرض.لكني ما زلتُ لا أعرف شعور الأشد وحدة.خليج عميق يفصل بين ثاني أكثر رجل وحدة وأكثر رجل وحيد على الأرض. في الغالب عميق وشاسع أيضًا. قاعه مكدس إلى أعلاه بجثث الطيور التي حاولت وفشلت في اجتيازه.

يومًا ما ستصبح فجأة من جماعة الرجال بلا نساء.هذا اليوم سيأتيك بغتة،دون أي إنذار خافت أو إشارة أو تلميح.دون أي حدس أو خالِجة،لا طرق على الأبواب أو نحنحة. انعطف في زاوية وستعرف أنك هناك مُسبقًا.لكن حينها لا يوجد أي طريق للعودة.متى ما بلغت تلك الناحية فسيكون ذلك هو العالم الوحيد الذي يمكنك أن تقطنه.في ذلك العالم ستُسمى “رجال بلا نساء”. سكون دومًا بصيغة الجمع فاترًا قاسيًا.

وحدهم الرجال بلا نساء يفهمون كم هو مؤلم،كم يمزق القلب أن تصبح هكذا.ستخسر تلك الرياح الغربية الجميلة.سيُسرق عمر الرابعة عشر إلى الأبد. (مليارات السنوات يجب أن تُعتبر إلى الأبد).نحيب البحارة البعيدين المضجر.قاع البحر بأصداف الأمونيت والأسماك الشوكية الجوف.     الاتصال بمنزل أحدهم ما بعد الواحدة صباحًا. استقبال مكالمة بعد الواحدة صباحًا من غريب. انتظار أحد لا تعرفه بين المعرفة والجهل. الدموع التي تتساقط في الطريق الجاف بينما تتفقد ضغط إطارات سيارتك.

بينما جلستُ أمام تمثال الحصان وحيد القرن دعوتُ أن يتعافى زوجها يومًا ما. دعوتُ أيضًا ألا ينسى أبدًا الأشياء المهمة -الجوهر- لكن أن يقدر على نسيان كل شيء آخر غير مهم و ثانوي.شعرتُ حقًا هكذا من قلبي.تخيل ذلك فكرت:هنا يجلس ثاني أكثر رجل وحيد على الأرض متعاطفًا مع -ويدعو لأجل- الرجل الأشد وحدة (شخصٌ لم يقابله أبدًا).

لكن لِم كلف نفسه عناء الاتصال بي؟ أنا لا أنتقده لفعلته هذه،كل ما في الأمر أني غير قادر على إجابة هذا السؤال الجوهري حتى الآن. كيف عرف عني أصلًا؟ و لم اكترث بذلك؟ ربما الجواب بسيط. لابد أن (م) أخبرت زوجها عني. شيءٌ ما عني. هذا هو الأمر الوحيد الذي يمكنني تخيل أنه الدافع لاتصاله بي. أما ما أخبرته عني فلا أملك أي فكرة. ما القيمة، ما المعنى الذي يمكن أني مثلته لها ليدفعها ذلك لإخبار زوجها عن حبيب سابق مثلي؟ هل كان أمرًا ضروريًا بشأن موتها؟ هل كان لي وجود كظل بخصوص موتها؟ ربما أخبرت (م) زوجها مدى جمال قضيبي.حين كنّا نستلقي في السرير ظهرًا كانت تمسك قضيبي براحة يدها بحب وتحدق به كما لو أنها معجبة بجواهر التاج الأسطوري للهند. “إنه جمييييل جدًا” كانت تقول.سواء كان ذلك صحيحًا أم لا أملك إثباتًا لذلك.

هل كان هذا ما جعل زوجها يتصل بي؟ يهاتفني بعد الواحدة صباحًا ليعبر عن احترامه لشكل عضوي؟ غير محتمل.هذا يبدو سخيفًا.فبأي طريقة قلبت الموضوع في عقلك عضوي أقل من مُدهش.أفضل ما يمكنك أن تصفه به هو أن عادي الجمال. إحساسها بالجمال كان عادةً ما يجعلني أهز رأسي. كانت تتمتع بحس غريب بالقيم لا يُشابه حس أي أحد آخر.

ربما (وأنا أتخيل هنا فقط) أخبرت زوجها عن مشاركتها لنصف المحاة معي في فصل المدرسة الإعدادية.لم تملك أي دافع خفي لإخباره بذلك وكانت نيتها طيبة. لم تكن سوى ذكرى بسيطة من ماضيها أرادات أن تشاركها إياه.و من المؤكد أن هذا جعله يغار. حقيقة أن (م) منحتني نصف ممحاتها جعله أكثر غيرة من لو أن (م) مارست الجنس مع حافلتين ممتلئة بالبحارة.هذا متوقع. ما الذي تعنيه حافلتان ممتلئة ببحارة مفتولي العضلات؟ (م) وأنا كنا في نهاية المطاف في الرابعة عشر من عمرنا،وكل ما احتجته لأنتصب كان الرياح الغربية.فمصاحبة فتاة تقسم ممحاتها الجديدة إلى نصفين كان استثنائيًا.كمنح إعصار عملاق العشرات من الإسطبلات.

لاحقًا و في كل مرة أمر بتمثال الحصان ذو القرن أجلس لبرهة و أتفكر بالرجال بلا نساء.لِم في ذلك المكان؟ لِم حصان ذو قرن؟ ربما هذا الحصان هو أيضًا من الرجال بلا نساء.أعني لم أرى قبلًا أي ثنائي من الأحصنة ذات القرون. هو -يجب أن يكون هو صحيح؟- دومًا وحيد،بقرن حاد متجه نحو السماء.ربما علينا أن نتبناه كرمز للرجال بلا نساء،كرمز للوحدة التي نحملها كعبء.ربما علينا أن نخيط شارات الحصان ذو القرن على الجيوب التي على صدورنا وعلى قبعاتنا،ونسير في الطرقات ببطء كمواكب حول العالم.لا موسيقى،لا أعلام،لا أشرطة ورقية.ربما. (إنني أستخدم كلمة “ربما” كثيرًا بعض الشيء. ربما).

من السهل ربما أن تصبح من الرجال بلا نساء.تحب امرأة بشدة،ومن ثم تختفي هي في مكان ما.هذا كل ما يتطلبه الأمر. غالبًا (كما أنا متأكد أنكم تعلمون جيدًا) ما يأخذهن بعيدًا ما هو إلا بحار محترف. فهم يغمرونهن بالكلام المعسول ليرافقنهم،يحملونهن إلى مارسيليا أو ساحل العاج.وبالكاد يمكننا أن نفعل أي شيء حيال ذلك.أو أن النساء أيضًا لم يملكن شيئًا لفعله مع البحارة ولذا ينهين حيواتهن.وبالكاد يمكننا أن نفعل أي شيء حيال ذلك أيضًا.و لا حتى البحارة يمكنهم فعل أي شيء حيال ذلك.

على أي حال هذه هي الطريقة التي تصبح فيها من الرجال بلا نساء.حتى قبل أن تدرك ذلك حتى. و حين تصبح من الرجال بلا نساء تتسرب الوحدة إلى أعماق جسدك،كبقعة من النبيذ الأحمر على سجادة فاتحة اللون.لا يهم عدد كتب الاقتصاد المنزلي التي ستقرأها فالتخلص من تلك البقعة ليس سهلًا.ربما تتلاشى البقعة بمرور الوقت لكنها ستبقى كبقعة،لها حق في أن تكون بقعة ظاهرة،عابرة كإعلان.و ستًترك لتعيش ما بقي من حياتك برفقة تدرجات اللون المنتشرة،برفقة تلك الخطوط الغامضة.

تتنوع الأشياء وتختلف في ذاك العالم.فالطريقة التي تشعر بها بالعطش مختلفة.و الشكل الذي تنمو به لحيتك مختلف .الطريقة التي يعاملك بها معدو القهوة في ستاربكس مختلفة.بل و حتى عزف كليفورد بروان المنفرد مختلف أيضًا.حتى أبواب عربات قطار تُغلق بطريقة جديد وغريبة.حين سيرك من أوموته ساندو إلى أوياما إتشهوم ستكتشف أن المسافة ما عادت بذاك الطول الذي تعرفه.لربما قابلت امرأة أخرى ولكن لا يهم كم هي رائعة (في الحقيقة كلما زادت روعتها كلما كان هذا أكثر دقة) منذ اللحظة التي تقابلها ستبدأ بالتفكير بخسارتها.سيبقيك ظل البحارة ذا الإيحاء،صوت الألسنة الأجنبية التي ينطقون بها (هل هو يوناني؟ أستوني؟ تاغاولوغي؟) قلقًا.ستُضعفك أسماء المرافئ المذهلة وتبقيك واهنًا؛لأنك تعرف مسبقًا ما الذي يعنيه أن تكون من الرجال بلا نساء.أنت سجادة فارسية ألوانها فاتحة،والوحدة بقعة هي خمر البورديكس التي لن تزول.الوحدة مصدرها فرنسا،ألم الجرح مصدره الشرق الأوسط.إن العالم بالنسبة للرجال بلا نساء شاسع،خليط لاذع،هو أقرب بالكثير لذاك الجانب البعيد من القمر.

خرجنا (م) وأنا لحوالي سنتين.ليست تلك المدة الطويلة.لكنها سنتان جوهرية.يمكنك أن تقول سنتان فقط.أو سنتان طويلة.يعتمد الأمر بأكمله على وجهة نظرك.أقول “خرجنا” ولكننا في الواقع قابلنا بعضنا البعض مرتين أو ثلاث خلال الشهر.كان لها أسبابها ولي أسبابي.في هذه اللحظة ما عدنا -مع الأسف- في الرابعة عشر من عمرنا.و هذه الأسباب كانت هي ما فرقتنا.لا يهم كم ضممتها بين ذراعي بشدة حتى لا تذهب بعيدًا.و ظل البحارة الثقيل المظلم ما زال يسير قدمًا بلا رحمة،ينتشر بحدة،بمسامير مجازية في كل الأنحاء.

ما أذكره بشدة عن (م) هو مدى حبها لموسيقى المصاعد.بيرسي فايث،مانتوفاني،رايموند لفيفر،فرانك تشاكسفيلد،فرانسيس لاي،أوركسترا أوتار 101،بول ماوريات،بيلي فاغون.كانت تملك نوعًا من العاطفة الأزلية لهذه الموسيقى البريئة -كما أعدها-.الأوتار الملائكية،انتعاش آلات النفخ الخشبية الفاتنة،البوق النحاسي الساكن،القيثارة التي تصدم قلبك بوداعة.اللحن الساحر الذي لا يتداعى أبدًا،الإيقاع كحلوى تذوب في فمك،تأثير الصدى المضبوط في التسجيل.

عادة ما أستمع إلى موسيقى الروك والبلوز حين أقود.ديريك،ذا دومينوز،أوتيس ريدّينق،ذا دوورز.لكن (م) لم تكن لتسمح لي بتشغيل أي من هذا.كانت تحمل دومًا كيسًا ورقيًا ممتلئًا بعشرات أو ما يقاربها من أشرطة الكاسيت لموسيقى المصعد،والتي تشغلها واحدة تلو الأخرى.كنا نقود بلا وجهة بينما كانت تدندن بهدوء أغنية فرانسيس لاي (13 Jours en France).بشفاهها الجميلة التي يعلوها أثر خفيف من أحمر الشفاه.أيًا يكن لابد أنها امتلكت آلاف الأشرطة. و كانت تعرف كل ما يمكن معرفته عن الموسيقى البريئة في العالم.لو وُجد متحف لموسيقى المصعد لكانت هي أمينة المتحف.

كان الوضع سيانًا حين ممارستنا للجنس.كانت تُشغل دومًا الموسيقى خلال وجودنا في السرير.لا أذكر كم مرة سمعت أغنية بيرسي فيث (A Summer Place) بينما كنا نمارس ذلك. من المحرج بعض الشيء ذكر هذا الأمر،لكني وحتى الآن أثار قليلًا أينما سمعت تلك النغمة:يضيق نفسي،يحمر وجهي. يمكنك أن تطوف العالم وأراهن أنك ستجد رجلًا واحدًا -أنا- يُثار جنسيًا حين سماعه لافتتاحية أغنية (Summer Place). لا:ربما زوجها أيضًا.لندع تلك الاحتمالية مفتوحة.يمكنك أن تطوف العالم وعلى الأرجح ستجد رجلين فقط (بما فيهم أنا) يثيرهما ويزعجهما سماع افتتاحية أغنية (Summer Place). لنعد صياغتها هكذا.ممتاز.

المكان.

قالت (م) مرة: “السبب الذي يجعلني أحب هذا النوع من الموسيقى هو سؤال حول المكان؟”

“المكان؟”

“حين أنصت لهذه الموسيقى أشعر أنني في مكان مفتوح على اتساعه وفارغ.مساحة شاسعة،بلا أي شيء قريب منها.لا جدران،لا سقف.لا أحتاج أن أفكر،لا أحتاج أن أتلفظ بأي شيء،أو أن أفعل أي شيء.وحده التواجد هناك يكفي.أغلق عيناي وأسلم نفسي للأوتار الجميلة.لا صداع،لا حساسية من البرد،لا حيض،أو تبويض.كل شيء جميل ببساطة،مُسالم،منساب.يمكنني أن أكون.”

“كما لو أنك في جنة؟”

“صحيح” قالت (م) “أنا واثقة أن بيرسي فايث هو من يعزف موسيقى الخلفية في الجنة. هلا مسدت ظهري؟”

أجبتها: “طبعًا”

“أنت ممسد جيد حقًا”.

تبادلتُ أنا وهنري مانكيني نظرة سرية،وعلت شفاهنا ابتسامة واهنة.

موسيقى المصعد هي شيء آخر فقدته.تعتريني هذه الفكرة كل مرة أقود فيها.بينما أنتظر أن يتغير لون الإشارة أتمنى بعض الشيء أن تسحب فتاة لم تقع عيناي عليها قبلًا باب الراكب في السيارة وتفتحه،تنزلق إلى الداخل،دون أي كلمة أو حتى نظرة،تضع شريط كاسيت لأغنية (A Summer Place) في المسجلة.حتى أنني حلمتُ بهذا.طبعًا لم يحدث هذا أبدًا.أعني أنا سيارتي لم تعد حتى لا تحوي مشغل أشرطة .حين أقودها الآن،أشغل جهاز الأيبود الموصول بسلك USB.و طبعًا فرانسيس لاي و 101Strings غير متوفران على جهازي.لكن غوريلاز أو بلاك آيد بيس هم الموجودون.

هذا ما يعنيه أن تخسر امرأة.وفي لحظة معينة خسارة امرأة واحدة تعني خسارة كل النساء.هكذا نصبح رجالًا بلا نساء.نخسر بيرسي فايث،فرانسيس لاي،و 101 Strings.أصداف الأموينت والأسماك شوكية الجوف.ونخسر ظهرها الجميل.اعتدتُ أن أمسد ظهر (م) براحة يدي،حال إيقاعات هنري مانسيني الرقيقة الثلاثية في نسخته من أغنية (Moon River): “Waiting round the bend, my Huckleberry friend… لكن ذلك كله اختفى.كل ما بقي هو قطعة من ممحاة،وصوت نحيب البحارة البعيد.وتمثال الحصان ذو القرن بجانب النافورة،بقرنه الوحيد المصوب إلى السماء.

أتمنى أن تكون (م) في الجنة الآن -أو مكانٍ يشبهها- مستمتعة بأغنية “A Summer Place”. تغمرها تلك الموسيقى اللانهائية بلطف.أتمنى فقط ألا تكون أغاني فرقة جيفرسون إيربلان هي التي تُعزف. (متأكد أن الرب لن يكون بهذه القسوة). وسيكون من الرائع لو أنها سمعت نسخة (pizzicato) بالكمان من أغنية (A Summer Place)، انتقلت أفكارها في نهاية المطاف إليّ.

لكن ربما أنا أطلب الكثير.أدعو لذلك-رغم أني لستُ جزء من هذا- أن تكون (م) سعيدة و بسلام،بصحبة موسيقى المصعد التي تٌعزف أبديةً.

كواحد من الرجال بلا نساء أدعو بذلك من كل قلبي.في هذه اللحظة يبدو أن الدعاء هو الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله.ربما.

Advertisements

لم عليك أن تلمس مفاتيحك حتى تصدق أنها موجودة في حقيبتك؟

بوصول سماعات الرأس التي تعمل بخاصية الواقع الافتراضي إلى الأسواق يتردد معها صدى كلمات ماكبث: لربما بدا العالم الذي يغمرونك به حقيقيًا بل وحتى صحيحًا ولكنه لا يُمكن أن يُلمس أو يُمسك. فأنت ترى خنجرًا على الطاولة أمامك وربما تحاول الوصول إليه، ولكن بينما تترك ذراعك في الهواء ببساطة تبقى معلقًا بالشعور الخيالي بكون الأشياء ليست حقيقة جدًا. إن الأشياء غير الملموسة غير مقنعة، و دمج خاصية اللمس في التقنية الجديدة هو المدى القادم. ولكن لمَ تعني لماكبث ولنا حاسة اللمس بهذا القدر؟ ما الذي تمنحه إيانا و لا يمنحه البصر؟

يمكن لفقدان مجموعة كاملة من الأحاسيس أن يسبب الضيق، بالرغم من أنه يبدو لغياب التجربة الملموسة تبعات أكثر ضررًا من غياب تجارب أخرى كغياب تلك المرتبطة بحاسة الشم على سبيل المثال.

على النقيض من المثل المعروف “الرؤية هي التصديق” فإن اللمس هو الذي يضمن سيطرتنا الإدراكية على الواقع، وتُظهر المواقف اليومية اللمس كحاسة “التأكد من الحقيقة”. ويعرف ذلك الباعة جيدًا: فمتى ما تردد زبونٌ في شراء منتج فإن مده إليه للمسه كما لو أنه أنهى الصفقة. نحب أن نلمس محافظنا في حقائبنا عندما نضعها داخلها. وبالرغم من كل اللوحات التحذيرية العديدة التي تطلب من الزوار عدم لمس الأعمال الفنية المعروضة فإن على الحراس باستمرار أن يوقفوا الناس من الوصول إلى التماثيل واللوحات الحساسة ولمسها. و لكن ما الذي يمنحه اللمس إن كان البصر يخبرك مسبقًا بكل شيء تحتاجه؟

تؤيد إحدى الإجابات المشهورة في الفلسفة فكرة كون حاسة اللمس أكثر موضوعية وتجرد من الحواس الأخرى. فعلى سبيل المثال عندما أراد صمويل جونسون أن يثبت سخافة فكرة  جورج بيركلي ركل صخرة ضخمة و أكد بانتصار: ” دحضتها إذًا”. فالإشارة إلى الشكل الملون لم تكن كافيةً لكن جونسون اعتقد أن اللمس جليٌ وجتميٌ. إن مقاومة الأجسام الصلبة باللمس وجد ليشعرنا بوجود هذه الأشياء في العالم، أشياء مستقلة عنا وعن إرادتنا.

ولكن هل اللمس حقًا هو “حاسة الواقع”؟ بالطبع لا. فهو بالمجمل لا يمنحنا وصولًا أفضل أو آنية أسرع في الوصول إلى الواقع من الحواس الأخرى. إذًا هل يمنح معلومات أكثر دقة من حاسة البصر فلنقل عن شكل الشيء وخامته أو حجمه تبعًا لظروف كل حاسة، فاللمس في بعض الأحيان أفضل و البصر في أحيان أخرى أفضل. وربما ضلَلَنا بالانطباع الذي يمنحنا إياه عن “الاتصال المباشر” مع الواقع: فعملية اللمس متوسطة ومعتمدة عادة بشدة على التوقعات و الاستدلالات اللاواعية، بل وحتى أكثر تعقيدًا من الحواس الباقية، ولذا فهناك طرقٌ عدة يمكن فيها لاعتقاداتنا و تجاربنا الحسية الأخرى أن توصلنا إلى نتيجة مضللة. إن اللمس خاضعٌ للوهم كما البصر بالضبط، ولكن الفرق أننا لا نسمع عادةً عن الوهم اللمسي. ولنأخذ مثالًا واحدًا: يتفاجىء العديد من الناس عندما يعرفون أن الزر الموجود في هواتفهم لا يتحرك حقًا عندما يضغطون عليه: بل إن الانطباع الناشئ عن الاهتزاز هو الذي يخدع الدماغ ويدفعه إلى الإستنتاج أن شيئًا ما قد ضُغط، أطفىء جهاز وكرر الحركة وستكتشف أن السطح لن يتحرك على الإطلاق.

إذا لم يملك اللمس أي ميزة يتفوق فيها على البصر و هو خاضعٌ مثله للوهم فلمَ نؤمن بها كثيرًا؟ إذا لم يمنحنا اللمس تصورًا مباشرًا أو موضوعية أكثر عن العالم فكيف يمكننا أن نفسر الشعور الممتد الذي يُشعرنا به؟

هناك جانب عادة ما يُنسى بخصوص اللمس: اللمس أكثر طمأنة نفسيًا من النظر. لا يجعلنا اللمس دومًا نجرب الأشياء بطريقة أفضل ولكنه بالتأكيد يمنحنا شعورًا أفضل حول ما نجربه و نعيشه. فحتى عندما يمكننا أن نرى مفاتيحنا في الحقيبة إلا أننا نتأكد أكثر من وجودها عندما نلمسها.

إن ما يبدو عادةً خرافة في بادئه له أسبابٌ أعمق، فالتأكيد الذي يمنحنا إياه اللمس يجعله مميزًا في حياتنا المعرفية. اقترب رينيه ديكارت من هذا التشخيص حين لاحظ أن الدليل الذي يمنحنا إياه اللمس يصعب علينا بشكل أو بآخر أن نهمله، وكتب في كتابه العالم (المنشور سنة 1633): “من بين كل حواسنا يعد اللمس الأقل تضليلًا و الأكثر أمانًا”. وعلى الأرجح علينا أن نتذكر قصة شك توماس المذكورة في الإنجيل لنعرف ميزة اللمس: كان على توماس أن يلمس جروح المسيح ليقتنع بأن الشخص الواقف أمامه هو عيسى.

و تعلمنا قصة توماس أمرًا مهمًا: اللمس “حتى تتيقن” مرتبطٌ خاصة بالحالات التي تخلق فيها حواسنا أو اعتقاداتنا حالة من اللاتصديق الشديد. يستمر المصابون باضطراب الوسواس القهري بلمس الأشياء التي تسبب لهم القلق بالرغم من مقدرتهم على النظر إليها: فهم يعودون لغلق الصنوبر بالرغم من أنهم قادرون على سماع أو رؤية عدم وجود ماء يقطر منه. كما أظهرت الدراسات أن الأشخاص يعانون من الخوف والقلق عندما يتعاملون مع واجهات المستخدم الرسومية التي تعرض أجسامًا لا يُمكن لمسها. اللمس يطمئن، وأما معرفة أن الأشياء غير قابلة للمس فتخلق شعورًا بالقلق والتوتر.

و الآن لمَ يجعلنا اللمس أكثر يقينًا وتأكدًا؟ يختلف هذا القرار مع ما يخبرنا به العلم الإدراكي. يجب أن يتبع إحساسنا باليقين ما هو صحيح، أي أن الحالات التي نثق فيها باللمس أكثر من البصر هي حين يزودنا اللمس بمعلومات أكثر دقة من تلك الناتجة عن الرؤية. ولكن هذا لا يفسر حالة توماس، ولا مرضى الوسواس القهري، ولا مستخدمي الواقع الافتراضي المحبطين. تكمن الأسباب وراء كون اللمس يجعلنا أكثر طمأنينة ويقينًا في قلب ما يكون شعورنا الذاتي بالثقة بوجه عام.

على الأرجح أننا نثق باللمس أكثر لأننا نشعر بنشاط أكثر و بزمام السيطرة بين أيدينا عندما نكتشف شيئًا باللمس بدلًا من البصر. وهذا انطباع ذاتي كما نحرك أعيينا بنشاط عندما نرى، ولكننا في واقع الأمر نحرك أيدينا على الأسطح والتي لربما فسرت لما نحن أيضًا أكثر ثقة بما نلمس: فنحن نؤمن بأننا جمعنا وشكلنا الدليل بنشاط عوضًا فقط عن تلقيه بشكل سلبي. و شعور بأننا “فعلنا ذلك بأنفسنا” يجعلنا أكثر ثقةً بأن الأمر يعول عليه. وهناك أيضًا أمرٌ  لربما كان أكثر تأثيرًا و أساسيًا أكثر في مثل هذه الحالات و هي على الأرجح مرتبطة بتجربة الطفل بما حوله، حيث الأمر كما لو أننا نتشبث بالعالم بدلًا من السعي خلف معرفته. ربما شعرنا بأننا سنصل إلى معرفة أفضل حين نلمس الأشياء المرئية من حولنا و لكننا على الأرجح لا نعرف أننا ببساطة نخون حاجةً أساسية للشعور بالاطمئنان.

المصدر

ويلفريد أوين:شاعر الحرب الضروس

ويلفريد أوين:شاعر الحرب الضروس

في الرابع من نوفمبر من سنة 1918 توفي أحد أهم شعراء الحرب العالمية الأولى، الذي وُلد من أصول إنجليزية و ويلزية إنه ويلفريد أوين الشاعر والجندي، الذي كان شعره شعرًا واقعيًا يمثل أحوال الحروب وفظائعها على عكس ما كان دارجًا في زمنه من أشعار وطنية تتغزل بالدفاع عن الأرض والموت في سبيل ذلك. اكتشف ويلفريد ميوله للشعر عندما كان يافعًا بين السنتين 1903 و 1904 خلال إحدى إجازاته و هو في سن العاشرة، وكان للشاعر جون كيتس تأثيرٌ على أشعاره وغيره، أما الأكثر الأكبر فكان لصديقه سيجفريد ساسون.

ويبدو أن الحرب التي كرس لها أوين أشعاره أبت إلا أن تخطف روحه، فقد قُتل في الربع من تشرين الثاني سنة 1918 قبل أسبوع من إعلان انتهاء الحرب، وكان ما أعاده للحرب هو إصابة صديقه في رأيه حيث أصر على التواجد مكان صديقه في ساحة القتال حتى يتمكن من الاستمرار في وصف شناعة الحرب، وبالغرم من معارضة ساسون فقد خُطفت روح ويلفريد وتلقت أمه نبأ وفاته والكنائس تدق مُعلنةً انتهاء الحرب.

 

إحدى أهم القصائد التي صورت تأثير سجفريد ساسون هي قصيدة بعنوان (النشيد الوطني لشباب فانٍ):

أي أجراس عبور تُقرع لأولئك الذين ماتوا كقطيع ماشية؟

وحده غضب المسدسات الرهيب

وحدها تمتمة البنادق بقعقعتها الرهيبة

و التي يمكن لها أن تثرثر صلواتهم سريهة الغضب

لا تهكم عليهم الآن، لا صلاة ، لا أجراس

و لا صوتًا ينم عن حداد. وفر الجوقة

الصخب، الجوقة المعتوهة لنحيب الهياكل

و الأبواق تناديهم من المقاطعات الحزينة

أية شموع يُمكن أن تحمل لتسريعهم؟

لا في أيدي الأطفال بل في عيونهم

سيشع وميض الوداعات المقدس

و سيكون شحوب جبين صبية غطاء نعوشهم

و زهورهم هي رقة العقول الصابرة

و كل غسق متمهل هي صورة سقوط العميان المتمهل

 

 

و قصيدة أخرى بعنوان (الضحكة الأخيرة):

“يا للمسيح! لقد أُصبت” قال ثم مات

أيًا كان ما لعنه عبثًا أو صلى لأجله في النهاية

فالرصاصات زغردت بزهوٍ، بزهوٍ، بزهوٍ

والرشاشات ضحكت ضحكتها المكتومة: هيا هيا

و المسدس الضخم قهقه

تأوه آخر: ” يا أمي، أمي، أبي”

ثم ابتسم لـ اللاشيء طفل ومات

وغيمة من الشظايا عالمية تومأ بروية: أحمق!

و الشظايا تتشاحن وتضحك ضحكة مكبوتة

ناح أحدهم “حبيبتي”. بدا الحب الواهن نوعه

حتى انحنى ببطئ و قبّل وجهه بأكمله الطين

و كشرت الحربة عن سنها الطويل

وصاح الحشد من خلف الدروع و أنّ

وهسهس الغاز

 

بعض من النصائح التي تبدأ بـ لا تفعل لكُتاب الشعر المبتدئين من عزرا بوند

poetic-pen

لنقل أنك تعلمت سابقًا كيف تقرأ قصيدة، ولكنك تتوق الآن إلى كتابة بعض أبياتك، كيف بالضبط ستفعل ذلك ببراعة؟

في سنة 1913 كتب عزرا بوند “قائمة بـ “لا تفعل” للمبتدئين في كتابة الشعر وعنونها بـ ” بعضٌ من لا تفعل كتبها التصويريون” والذي وعد فيه أن ” يقذف بتسع أعشار القصائد التي تُعد الآن معيارًا و كلاسيكية، وسيمنعك من ارتكب العديد من الجرائم في الإنتاج الشعري”. وكان هذا المقال القصير جزءً من الكتاب “نظرة على الماضي” الذي كتبه عزرا و آخرون ليشرحوا فيه المبادئ الأساسية للمدرسة التصويرية. كما ظهر المقال في الكتاب “مقالات أدبية لعزرا بوند” الذي نُشر سنة 1918 وبمقدمة كتبها تي إس إليوت.

بدأ بوند بنصيحة تنطبق على الشعر بقدر ما تنطبق على بقية مجالات الحياة:

” لا تلقِ بالِ لنقد شخص لم يكتب أبدًا بنفسه عملًا مرموقًا”

ثم انتقل إلى وصفة متخصصة باستخدام اللغة:

لا تستخدم تعبيرًا كمثل “أرض السلام القاتمة”، فهو يكدر الصورة ويبهتها، وهو يخلط الفكرة التجريدية بالواقعية. وهذا ينبع من عدم فهم الكاتب لفكرة أن طبيعة الشيء هي دائمًا الرمز المقبول. تعمق في الخوف من الأفكار التجريدية، لا تعيد استخدام الشطر العادي الذي استخدم قبلًا في نثر جيد، لا تعتقد أن أي شخصٍ عبقري سيخدع حين تحاول التواري خلف كل صعوبات الفن اللامحكي فن النثر الجيد الصعب باقتطاع تراكيبك إلى جمل طولها سطر واحد. و ما يتعب منه الخبير اليوم سيتعب منه العامة غدًا. لا تتخيل بأن فن الشعر أسهل بأي شكل من الأشكال من فن الموسيقى، أو انك ستقدر على أن نيل إعجاب الخبير قبل أن تبذل جهدًا  في فن الأبيات الشعرية يوازي ما يبذله معلم البيانو بالمعدل في فن الموسيقى. تأثر بعددٍ من الفنانين العظماء قدر ما تستطيع و لكن تمتع باللياقة الكافية للإعتراف بالفضل برمته، أو لمحاولة إخفاءه. و لا تسمح لـ “تأثرك” أن يعني محض التهامٍ لمفردات منمقة معينة لشاعر أو اثنين ممن أنت معجب بهم. مؤخرًا قُبض على مراسل حربي تركي مُلتبسًا بجرم محاكاة لأحد الأساليب في رسائله. لا تستخدم أي عبارات منمقة أو استخدم عبارات منمقة جيدة.

بعدها يتناول بوند الوزن الشعري والقافية:

دع المبتدئ يعرف السجع والجناس، القافية المباشرة والمتأخرة،البسيطة و المتعددة النغمات كموسيقي يتوقع أن يعرف الإيقاع و الطباق و كل التفاصيل في عمله. لا وجود لوقت مناسب أبدًا لإضافة هذه العناصر إلى القصيدة  أو حتى واحدة منها حتى لو كان الفنان نادرًا ما يحتاجها. لا تتخيل بأن العنصر يمكن أن يتناسب مع البيت فقط لأنه ثقيل جدًا على أن يكون في نص نثري. لا تكن “خياليًا” دع ذلك لكتاب المقالات الفلسفية القصيرة نوعًا ما. لا تكن تصويريًا: تذكر أن الرسام قادرٌ على وصف منظر طبيعي أفضل منك بمراحل،و عليه أن يعرف عنها أكثر منك بكثير. فحين يتحدث شكسبير عن ” الشروق المتشح بعباءة مشمشية” فإنه يصور ما لا يصوره الرسام، ولا شيء في هذا السطر يمكن أن يسميه الواحد وصفًا: إنه يصور. فكر بالأمر بطريقة العلماء لا بطريقة وكالات الإعلانات التي تعلن عن صابون جديد. فالعالم لا يتوقع أن يصبح عالمًا عظيمًا حتى يكتشف شيئًا ما، وهو يبدأ بتعلم ما اُكتشف سابقًا ومن تلك النقطة ينطلق إلى الأمام، و لا يعول على أن يكون زميلًا ساحرًا بشخصيته، فلا يتوقع من أصدقائه أن يصفقوا لنتائجه كطالب جامعة مبتدئ في فصل دراسي. و مع الأسف فإن المبتدئين في الشعر غير واثقين لتعريف وملاحظة الفصل الدراسي، فكلهم مندفعون باتجاه المتجر. ألا عجب بأن “العامة لا تبالي بالشعر”؟

 

لا تجزء عملك إلى تفعيلات منفردة، لا تجعل كل شطر يتوقف وقفة ميتة في نهايته، ومن ثم تبدأ كل شطر بعده بجيشان. دع بداية كل شطر مقبل يتوقف توقفًا مؤقتًا عند مطلع موجة الوزن إلا إذا كنت ترغب بوقفة طويلة مؤكدة. بالمختصر تصرف كموسيقي، كموسيقي جيد، الذي حين يتعامل مع إحدى وجوه عمله يتعامل معها بنفس التوازن الثابت في الموسيقى، فنفس القوانين تحكم كلا النوعين من الفن ولا يربطك أي شيء آخر. وبطبيعة الحال لا يفترض بتركيبك الموزون أن يخرب شكل كلماتك أو صوتها الطبيعي أو معناها. من غير المرجح أن تكون قادرًا في البداية على جعل تركيبك الموزون قويًا كفاية للتأثير على الأبيات، و لذلك فقد تقع ضحية لكل الوقفات الخاطئة بسبب نهاية الشطر و الوقفات. فيمكن للموسيقي أن يعتمد على نغمة و جهارة صوت الأوركسترا، ولكنك لا تقدر. ومصطلح التناغم أسيء استخدامه في الشعر فهو يعني الأصوات المتزامنة للنغمات المختلفة.

أيًا يكن فهناك في أفضل أبيات بقايا أصوات تستقر في أذن السامع و تقوم أكثر أو أقل بدور القاعدة الأصل. ويجب أن تحوي القافية بعضًا من العناصر الخفيفة المفاجئة التي لو وجدت منحت المتعة، و لا يجب أن تكون شاذة أو لا غريبة، ولكن أن تكون جيدة لو استخدمت.

 

المصدر

قائمة عزرا باوند بالأنواع الستة للكتُاب

Ezra Pound 1939 by Wyndham Lewis 1882-1957

 

” لا تلقِ بالِ لنقد شخص لم يكتب أبدًا بنفسه عملًا مرموقًا” هكذا كانت نصيحة عزرا بوند من قائمته (لا تفعل) للشعراء المبتدئين التي كتبها سنة 1913. و بعد عقدين من الزمن أي سنة 1934 صاغ باوند أفضل نصائحه عن فنون القراءة والكتابة المتوازية في كتابه أ ب ت القراءة- (ABC of Reading).

من بين أفكاره النيرة أنواع الكُتاب الستة التالية:

إذا بدأت بالبحث عن “عناصر أصيلة” في الأدب فإنك ستجد أن كاتبي الأدب وصانعوه هم التصنيفات التالية:

  • الخلاق: هو الشخص الذي يجد طريقة جديدة، أو الذي تعطينا أعماله الموجودة المثال الأول المعروف لطريقة ما.
  • الخبير: هو الشخص الذي يجمع بين عددٍ من الطرق والذي يستخدمهم بنفس جودة طريقة الخلاق أو ربما أفضل.
  • الخفيف: من يأتي بعد النوعين الأولى من الكُتاب و لا يؤدي المهمة بشكل جيد.
  • الكاتب الجيد بدون مواهب دفينة: هو الشخص المحظوظ بولادته في بلد ما خلال حقبة جيدة لأدب البلد، أو حين وجود فرع “صحي” معين من فروع الكتابة، كالأشخاص الذين كتبوا السونتات في زمن دانتي، أو الذين كتبوا القصائد القصيرة في عصر شكسبير أو بعد ذلك بعدة عقود، أو الذين كتبوا الروايات والقصص الفرنسية بعد أن أراهم فلوبير الطريقة.
  • كاتب الكتابات المنمقة: و هذا الشخص هو الذي لا يبتكر في الحقيقة أي شيء ولكنه يتخصص في نوعٍ معين من الكتابة، والذي لا يُعد “كاتبًا عظيمًا” أو من المؤلفين الذين كانوا يحاولون منح تصويرٍ كاملٍ للحياة أو لعصرهم.
  • المهووس بالمقبلات.

حتى يعرف القارئ فلن يكون قادرًا أبدًا على “التمييز بين التفاصيل”. فربما عرف ما “يُفضل”، وربما كان “محبًا للكتب” يملك مكتبة كبيرة تضم العديد من الكتب الجميلة المطبوعة مجموعةً في أكثر الأغلفة فخامةً، ولكنه لن يكون قادرًا أبدًا على تصنيف ما يعرفه لتقدير قيمة الكتاب الواحد بربطه مع الكتب الأخرى، و سيكون أشد تشتتًا وأقل قدرةً على تنظيم عقله وفحصه لمعرفة أي كتاب لمؤلف جديد “يخرج فيه عن التقليدي والنمطي” عوضًا عن مقدرته على صياغة رأي عن كتاب عمره ثمانون أو مئة عام.

لن يفهم مُطلقًا لم ينزعج منه متخصص لعرضه رأيًا مستهلكًا عن استحقاقات كاتبه المفضل السيء.

ثم تابع بوند تكراره لنصيحته حول النقد:

إلى أن تصنع استعراضك الشخصي و فحصك عن كثب فإنك ستكون على الأقل واعيًا ومتجنبًا لتقبل الآراء من:

  • الأشخاص الذين لم ينتجوا هم أنفسهم أي عملٍ مرموق.
  • الأشخاص الذين لم يجازفوا بطباعة نتائج استعراضهم وفحصهم الشخصي حتى لو كانوا عملوا عليه فعلًا.

 

المصدر

الخيال أداة فعالة: لمَ يخشاه الفلاسفة؟

imagination

إن العلاقة بين الفلاسفة و بين الخيال هي علاقة قائمة على الحب و البغض ، فرينيه ديكارت على سبيل المثال يبغضه لكونه: ” مُعرقل أكثر من كونه مُفيد” في الإجابة على السؤال الأكثر تبحرًا وعمقًا المتمحور حول طبيعة الوجود. حيث كتب في كتابه الصادر سنة 1641م والمعنون بـ “تأملات في الفلسفة الأولى” عن محاولة تخيل الواحد طريقه نحو الحقيقة الميتازفيقية مشبهًا إياها بغباء من ينام متأملًا بالحصول على صورة أكثر نقاءً و وضوحًا للعالم في الأحلام.

بالرغم من ذلك فإن ديكارت اعتمد بشدة أيضًا على الخيال في المقالات العلمية و الميتازفيقية كمقاله العالم المنشورة سنة 1633، حين حاول أن يستحضر تفاصيل اللبنات الأساسية في تركيب كل من البشر،الحيوانات،و الآلات. و حسب قول الفيلسوف دينّس سيبّر في جامعة دالاس إن ديكارت اعتمد على نوع من الخيال “ذو السطحين” الذي ابتكره أفلاطون حيث يمكن لمستوى واحد من الواقعية أن يجسد و يعرض العلاقات الناشئة و الموجودة في مستوى مختلف و العكس صحيح.

كذلك كان الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم يعيشُ صراعًا حول التخيل خصوصًا حين مقارنته مع المنظور والذاكرة. فكتب في كتابه “أطروحة عن طبيعة الإنسان”(المنشور سنتي 1738-40): ” عندما نتذكر أي حدث ماضٍ فإن الفكرة تتدفق في العقل بشكل قسري”، و لكن تخيل الصور و الأحاسيس يتابع قائلًا عنها: ” ضامرة و ذاوية و لا يمكن حفظها في العقل بثبات وبشكل موحد بلا صعوبة لمدة معقولة من الزمن”. أيًا يكن فإن هيوم ادعى أيضًا أن البشر أكثر حرية عندما يخوضون في الخيال،فالإدراك –كما يقول- يمكن أن يرينا الحقيقة فقط بينما يمكن للخيال أن يحلق بنا إلى أبعد من ذلك، إلى حيز ربما، إلى ماذا لو و لو فقط. في الحقيقة يقول هيوم: ” لا شيء مما نتخيله مُستحيل قطعًا”.

ماذا يوجد إذًا خلف هذا الإنزعاج الجلي في قلب التخيل؟ يضع هيوم يده عليه حين تحدث كيف يساعدنا إقبالنا على الخيال على المضي قدمًا و تغيير واقعنا الحالي. على الواحد أن يفكر لوهلة فقط كيف مهدت آلة ليوناردو دافنشي الخيالية الطريق للأخوين برايت،أو كيف ألهمت رواية هربرت جورج ويلز “حرب العوالم” الصادرة سنة (1898) اختراع أول صاروخ فضائي يعبىء بالوقود السائل، ليفهم حقيقة هذه البصيرة. و لكن الخيال أيضًا محكومٌ و مقيدٌ باتساع ملاحظاتنا و إدراكنا و تجاربنا السابقة فيقول هيوم: “فلنلاحق خيالنا إلى الجنة، أو إلى الحدود القصوى للكون،إننا في الواقع لا نخطو خطوة واحدة أبعد من أنفسنا”.

إحدى الطرق لحل هذا التعارض هو تصنيف الخيال إلى عدة أنواع،على هذا المنوال و بالعودة إلى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي ميز إيمانويل كانت نوعين من الخيال:الخيال المُنتج و الخيال التوالدي،فالخيال المُنتج هو ما يساعدنا على اصطناع و تحويل المحتوى الحسي إلى كيان كامل ذو معنى. فالتعرف على الشيء الذي يملك آذان مدببة و فرو يغطي جسده، ويموء و يحك جسده بقدميك، كل هذه الصفات تجتمع بالخيال المُنتج لتشكل القطة.  هذه النزعة الموحدة مزروعة في التجربة اللاوعية في عقل كل إنسان، و بمفهوم كانت فإن الخيال المُنتج هو ما يجعل الإدراك الحسي ممكنًا.

في المقابل فإن الخيال التوالدي يتمحور حول التذكر أكثر. عندما تُذاع قصة في المذياع عن قطة ضاعت منذ فترة طويلة وجدت طريق عودتها للمنزل فإنك سترسم من ذاكرتك المليئة بصور قططٍ رأيتها في حياتك صورة للمشهد الحميم، و هذا ما يمكن أن نسميه عمل الخيال التوالدي؛لأن هذا النوع من الخيال لا يعمل إلا بوجود مواد سابقة استحضرتها حواس الواحد، و كما ناقشه هيوم واصفًا إياه بنوع من الخيال المحكوم بحدود.

تُلمح تفريعات كانت إلى السبب الذي يكمن وراء معاملة الفلاسفة للخيال بيأس و ببهجة على حد سواء. لربما كان الخيال الذي نحتقره مختلفًا جدًا عن قريبه الأكثر فائدة، و لكن بقبولنا لهذا التقسيم فإننا نتخلى عن احتمالية أن نعامل الخيال كما لو أنه مَلكة عقلية موحدة و هو على الأرجح ما نستخدمه أكثر في التعبير عنه.

عندما أفكرُ بكل الأشياء المدهشة التي يمكن أن نمارسها بالخيال، أميل إلى طريقة مختلفة في حل خيوط ازوادجيته المُبهمة. فعوضًا عن تشريح الخيال و تقسيمه إلى أنواع مختلفة يمكننا أن نفكر باستخدامات مختلفة له، و هو ما أحب تسميته بخواص الخيال الفائقة و المُثقِفة. من ناحية فإننا عندما نتظاهر أو نتخيل أو نهرب إلى عمل روائي أدبي نغرق فيه يمكن للخيال أن يأخذنا إلى أبعد مما نحنُ فيه الآن و هنا. أما من ناحية أخرى فإننا عندما نتخيل في محاولة من لجعل ما يفكر به الآخرون منطقيًا، أو لحل مشكلة أو لاتخاذ قرار فإن تخميناتنا مُستخدمة لتساعدنا على فهم الآن و هنا. فبينما تميل استخداماتنا الفائقة للخيال إلى الغرابة و و التوهم فإن خاصيتها التثقيفية تشير إلى عمليته و ثباته.

في كلا هاتين الحالتين يبدو أن سر النجاح يكمن في تطبيق نوعٍ من الخيال المُقيد، و لكن ما يبدو ناجحًا مع الواحد لربما لا يبدو كذلك مع الآخر. على الأرجح أن السبب الذي جعل الفلاسفة يعيشون صراعًا بخصوص الخيال هو أنهم لم يستطيعوا أن يفهموا كيف يجب أن تُربط الحدود بالظروف. عندما نكتب عملًا أدبيًا خياليًا، أو نمارس لعبة التظاهر، أو نبتكر فنًا فإننا نبذل ما في وسعنا في وضع الحدود بتوسع أو بإزالة القيود بالكلية. على النقيض من ذلك فإننا عندما نوظف الخيال في سياق الإكتشاف العلمي أو التقني أو في أي مجال آخر من مجالات حل مشاكل العالم الحقيقي يجب علينا أن نسمح لخيالاتنا بالتشكل وفقًا للحالة التي بين يدينا.

إن استنتاج المكان الصحيح لرسم هذه الخطوط ليس بالأمر السهل، فيمكن أن يكون الوضع شائكًا بشكل ملحوظ لمعرفة أي العوامل التي يجب أن تبقى و أيها التي يجب أن تُستثنى. و لكن و بالنظر إلى كيف يمكن لمثل هذه القيود أن تعمل فإننا لا نستطيع أن نرى طريقنا إلى عظمة الخيال فقط بل يمكننا أيضًا أن نطهر الفلاسفة من قلقهم حول الفكرة نفسها. في نهاية المطاف و كما لاحظ هيوم فإن البشر ” إلى حد بعيد محكومون بالخيال”.

 

المصدر

عالم جُن جنونه

C481D92F

الخوف من خسارة وظيفتك و الذعر من فكرة أنك لن تجد الشخص المناسب هما أمران لا يمكن فصلهما الإحصائية السخيفة التي يمكن أن تبدو طبيعية فقط في عالم جُن جنونه:خلال الثلاثين السنة الفائتة ارتفع عدد ساعات العمل الرسمية التي كانت دومًا أقل من الساعات التي يُعمل بها في الولايات المتحدة الأمريكية،كندا،اليابان،وتناقصت بفارق قليل في بعض البلدان الأوروبية. هذه النزعة شرعت هجمة غادرة على المعنى المعروف للعالم المقلوب رأسًا على عقب: تزايد الذهول في الجهد الإنتاجي بفعل الثورة التقنية التي لم تفشل فقط في زيادة الأجور و لكنها لم تقلل حتى ساعات العمل في البلدان التي تتمتع بمستوى تقدم جاري. أوضحت الاستفتاءات المتكررة في الولايات المتحدة أن مصدر التوتر و الضغط الأساسي هو العمل أكثر من الطلاق أو الخوف من الموت، و في اليابان يقتل (الكاروشي)(1) العمل الإضافي الطويل أكثر من 10 آلاف فرد في السنة.

عندما قررت الحكومة الفرنسية في شهر مايو من سنة 1998 تقليل ساعات العمل الأسبوعية التي كانت 39 ساعة إلى 35 ساعة مُقدمة درسًا أساسيًا في الإدراك العام احتج عددٌ كبيرٌ متباكين على هذا القرار من رجال الأعمال، السياسين، و حتى التكنوقراطيين. في سويسرا حيث البطالة لا تعد مشكلة شهدتُ حدثًا منذ زمن مضى جعلني مصعوقًا. نُشر استفتاء حول تقليل ساعات العمل من غير أي تقليل يمس الأجر المدفع وصوت السويسريون  على رفض الفكرة، أتذكر أنني لم أستطع فهم النتيجة في ذلك الوقت، وأعترف أنني ما زلت كذلك. لطالما كان العمل التزامًا و واجبًا عالميًا منذ عاقب الرب آدم بأن يكسب رزق يومه من عرق جبينه و لكن لا يُفترض بنا أن نأخذ إرادة الرب حرفيًا. أعتقد بأن هذه الحاجة المُلحة للعمل مرتبطة بشكل ما بالخوف من البطالة -بالرغم من البطالة في سوسيرا هي مجرد تهديد خيالي- و الخوف من وقت الفراغ. أن توجد يعني أن تكون فعال و مفيد، أن توجد يعني أن تكون رائج، الوقت ليس هو المال، و وقت الفراغ يُعاش لأجل متعة العيش و ليس للخضوع لتكوين الخوف و استثارته. لا شيء من هذا حديث، لطالما كان الخوف دومًا جنبًا إلى جنب مع الجشع المحرك الرئيسي الذي يشغل النظام المُعتاد تسميته بالرأسمالية.

يسمح الخوف من البطالة بالسخرية من حقوق العمال. فالثماني ساعات يوميًا لم تعد تتبع القانون و لكنها تنتمي للأدب حيث تنبثق من أعمال الشعراء السريالين، و وضع كهذا يُساهم في راتب التقاعد،المزايا الطبية،تعويضات العُمال،الإجازة المدفوعة،علاوات الكريسماس،بدلات أفراد أسرة الموظف  التي تُعد كلها بقايا و آثار في المتحف الأثري. إن حقوق العُمال المقدسة العالمية وُجدت في فترات أخرى نتيجة لعدة أشكال من الخوف: الخوف من الإضرابات و الثورة الاجتماعية التي بدت قريبة جدًا من الإندلاع. فالقوي الذي انتفض البارحة خوفًا هو القوي الذي يُضرب  عن العمل اليوم، و مع أن أٌكل هذين العقدين من معاناة العُمال وثمارها أُسقطت وبيعت قبل أن تستطيع حتى أن تقول وداعًا.

يُنجب الخوف و هو أبو  عائلة كبيرة أيضًا ابنًا هو الحقد. في بلاد الجنوب يُسبب هذا الوضع حقدًا و كرهًا للأجانب الذين يقدمون خدماتهم كعُمال بأسعار يائسة. إنه غزو المغزوين، فهؤلاء العمال يأتون من بلاد اجتاحتها قوات الاستعمار و عوقبت فيها الإرساليات العسكرية بالإنزال 1001 مرة. و الآن هذه الرحلة المعكوسة لا يقوم بها الجنود المكرهون على القتل و لكن العمال المكروهون على بيع أنفسهم في أوروبا و أمريكا الشمالية بأي سعر يٌعرض عليهم، إنهم يأتون من أفريقيا،آسيا،أمريكا اللاتينية، و بسبب تشييع القوة البيروقراطية فمن أوروبا الشرقية كذلك.

خلال سنوات نمو أوروبا و أمريكا الشمالية الاقتصادي الكبير وتوسعهما احتاج العمران المتنامي المزيد و المزيد من العمال و لم يشكل الأمر فارقًا مهمًا حين كانت هذه الأيدي العاملية أجنبية طالما أنها تعمل بجد و تتقاضى أجرًا قليلًا. أما في سنوات الركود أو النمو الضعيف أصبح هؤلاء العمال طفيلين غير مرغوب بهم: رائحتهم كريهة،يتسببون بضجة كبيرة،يستولون على الوظائف. أدين الذين كانوا يمثلون كبش الفداء و العاطلين عن العمل وكل من كان سيء الحظ بالعيش بعددٍ من السيوف تتأرجح حول رؤوسهم: التهديد الدائم من ترحيلهم و عودتهم لحياتهم المرهقة التي هربوا منها، والاحتمالية الدائمة لانفجار العنصرية بتهديداتها المميتة، و عقوباتها: أشعل الأتراك النار،طُعن العرب،أطلق الرصاص على الأفارقة،و ضُرب المكسيكون. لقد فعل المهاجرون الفقراء الأصعب، وتحمل الأشد فقرًا العمل في الميدان و الشوارع، وعندما أصبح العمل على حافة الخطر لم يوجد حبر سحري يخفيهم.

على صعيد آخر متناقض بينما نزحت العُمال من الجنوب إلى الشمال أوتعرضوا على الأقل لخطر محاولات الوقوف بوجه كل النزاعات،نزحت العديد من المصانع من الشمال إلى الجنوب. يبادل المال و الناس بعضهما البعض في الليل،فالأموال تُسافر من البلدان الغنية إلى الفقيرة مُنجذبًا إلى فكرة أن تكون أجرة اليوم الذي هو 25 ساعة دولارًا واحدًا،و يُسافر العمال من البلدان الفقيرة أو يحاولون السفر إلى البلدان الغنية منجذبين إلى صورة السعادة التي تُقدمها الإعلانات أو مُتكونة بفعل الأمل في قلوبهم. و أينما سافر المال يُرحب به بالقبلات و الأزهار و الجلبة، بينما و على النقيض من ذلك أينما حل العمال فإنهم يحلون برحلة شاقة و طويلة تنتهي بعض الأحيان في أعماق البحير المتوسط أو البحر الكاريبي أو على شواطىء ريو جراند الصخرية.

في زمن آخر عندما احتلت روما كل بلدان البحر المتوسط و أكثر عادت جيوشها إلى الوطن تجر قوافل ممتلئة بأسرى الحرب المستعبدين. ليتسبب اصطياد العبيد بإفقار العُمال الذين يعملون بدون أجور،فكلما ازداد عدد العبيد في روما كلما تناقصت الأجور و لكما صُعب إيجاد عمل. بعد ألفي سنة أعلن رجل الأعمال الأرجنتيني إنريكي بيسكارمونا يمجد العولمة قائلًا: “يعمل العمال الآسيون لمدة عشرين ساعة بثمانين دولار أمريكي في الشهر. إذا أردتُ أن أنافس فيجب علي أن أتجه إليهم، إنه عالم معولم. فالفتيات الفلبينيات اللاتي يعملن في مكاتبنا في هونج كونج مُستعدات دومًا للعمل، ليس هناك فرق بين السبت أو الأحد، و إذا وجب عليهن أن يعملن لعدة أيام متواصلة بدون نوم فإنهن يعملن و لا يطالبن برواتب إضافية و لا بأي شيء آخر”.

بعد شهور من إعلان بيسكارمونا هذه المرثية اشتعل مصنع دمى في بانكوك، و احترقت النساء العاملات في المصنع و اللاتي ينامن فيه أيضًا و يتقاضين أقل من دولار في اليوم و هن أحياء، فقد أقفل المصنع من الخارج كما كان يحدث في الماضي في مساكن العبيد.

نزحت العديد من الصناعات إلى البلدان الفقيرة بحثًا عن العمالة الرخيصة و سيكون هناك الكثير منهم، و ترحب بهم الحكومات كما لو أنهم المسيح حاملًا بين يديه الوظائف على طبق من ذهب. لكن ظروف طبقة عمال الصناعة الجديدة تذكرنا بالكلمة التي استخدمت للعمل خلال عصر النهضة: (tripalium)(2) و التي كانت أيضًا أداةً للتعذيب. يساوي سعر كنزة ديزني التي تحمل صورة بوكاهونتاس أجرة أسبوع للعاملين في هايتي الذين خاطوا تلك الكنزة بمعدل 375 كنزة في الساعة. كانت هايتي أول بلد في العالم يلغي العبودية،و بعد قرنين من هذا العمل البطولي الذي كلف الكثير من الأرواح عانت الدولة من أجور العبودية. تعطي ماكدونلز زبائنها الأطفال ألعابًا مصنوعة في مصنع استغلالي فيتنامي بأيدي نساء يتقاضين 18 سنت لنوبة عمل تمتد لعشر ساعات بدون أي فترة استراحة. انتصرت فيتنام على الغزو العسكري الأمريكي، و بعد ربع قرن من هذا العمل البطولي الذي كلف الكثير من الأرواح عانت البلد من الإذلال المعولم.

لم يعد اصطياد العمالة الرخيصة يتطلب جيوش عسكرية كما حدث في زمن الاستعمار، فكل هذه الأمور اعتني بها ببؤس كون العالم أجمع يعاني. ما نشهده هو نهاية الجغرافيا: المال يعبر الحدود بسرعة الضوء و الفضل يعود في ذلك إلى تقنيات التواصل و النقل التي جعلت المسافة و الزمن يختفيان. و عندما يُصاب اقتصاد أي منطقة على الكرة الأرضية بنزلة برد فإن اقتصاد كل العالم يعطس. ففي نهاية سنة 1997 تسبب خفض قيمة العملة في ماليزيا بالقضاء على آلاف الوظائف في قطاع صناعة الأحذية في جنوب البرازيل.

وضعت البلدان الفقيرة قلوبها، أرواحها و قبعتها العريضة بين يدي منافسة السلوك العالمي الجيد لترى من سيقدم الأجور الأشد نحولًا و عُريًا و الأكثر حريةُ في تسميم البيئة، و تنافس الشركات باهتياج لتغري الشركات المتعددة الجنسيات الكبيرة. و ما هو جيد للشركات سيء في مستويات الأجور،و ظروف العمل،وصحة الناس، والطبيعة. في كل مكان في العالم تتسابق حقوق العمال إلى الحضيض بينما يتنامى تجمع العمال المتاحين كما لم يحدث قبلًا حتى في أسوء الحالات.

للعولمة مستفيدوها و متضرروها، فقد حذر تقرير للأمم المتحدة: “يُفترض بارتفاع موجة مد و جزر الثراء أن يرفع كل القوارب، و لكن بعضها يستحق الوجود في البحر أكثر من غيرها. ترتفع اليخوت وسفن ركاب المحيط استجابةُ للفرص الجديد،ولكن العديد من العوامات وقوارب التجذيف تُنافس و البعض الآخر يغرق”.

ترتعد البلدان أمام فكرة أن المال لن يصل أو أنه سيهاجر،فتحطم السفينة أو تهديدها يتسبب بذعر مهموس. و تقول الشركات إذا لم تتصرف أنت بنفسك فإننا ذاهبون إلى الفلبين أو تايلند أو إندونيسيا أو الصين أو المريخ. و التصرف بشكل سيء يعني الدفاع عن الطبيعة أو ما تبقى منها،أو الاعتراف بحق تأسيس الاتحادات،أو المطالبة باحترام المعايير الدولية و القوانين المحلية، أو زيادة الحد الأدنى من الأجور.

باعت غاب سنة 1995 كنزات “مصنوعة في السلفادور”،وكان العامل السلفادوري يقبض 18 سنت عن كل كنزة تكلفتها 20 دولار، يقضي العاملون و معظمهم من النساء و الفتيات 14 ساعة في اليوم بظهور متكسرة في مصنع استغلالي جحيمي.أسس العمال اتحادًا لتطرد بعدها الشركة المتعاقدة 350 عامل منهم، ثم أعلن المتبقون منهم إضرابًا،ليواجهوا ضرب الشرطة واختطافها بل و سجنها. في نهاية السنة أعلنت غاب انتقالها إلى آسيا.

جرائم بحق الناس و جرائم بحق الطبيعة: إن الحصانة التي يتمتع بها أسياد الحرب مشتركة مع توآمهم أسياد الصناعة الشرهين الذين يأكلون الطبيعة و يبتلعون في نعيمهم طبقة الأوزون. إن أنجح الشركات في العالم هي تلك التي ترتكب جرائم أكثر،و البلدان التي تقرر مصير الكوكب هم نفسهم أولئك الذين يجتهدون لإبادته.

الوفرة والتدفق: يغرق العالم و الهواء الذي يتنفسه بسيل من مقالات خبراء الكلمات المتخثر،خطاباتهم، إعلانات الحكومة،التجانس الدولي المهيب، وغيرها من تعبيرات المسؤولين المهتمين بالبيئة. تُلهي لغة السلطة اللوم الذي يتلفظ به المجتمع المستهلك و أولئك الذين يروجون للاستهلاكية باسم التطور. يمكن للشركات الكبيرة التي باسم الحرية تصيب الكوكب بالمرض و من ثم تبيع أدويتها و مواساتها أن تفعل ما يحلو لها، بينما يغلف علماء البيئة المتكاثر عددهم كالأرانب تغليف كل شيء بفقاعة من الغموض. إن وضع العالم الصحي مقزز و يستقرأ المفوهون من المسؤولين الوضع لينالوا المغفرة: ” نحن جميعًا مسؤولون”، إنها الكذبة التي يقدمها التكنوقراطرين و يكررها السياسيون بمعنى أنها ليست مسؤولية أي أحد. و يحذر المسؤولون المتملقون من ” تضحية الجميع” بمعنى فليدفع الثمن أولئك الذين يدفعونه دومًا.

إن البشرية جمعاء تدفع ثمن إفساد الأرض، تلوث الهواء، تسمم المياه،تدمير الطقس،  تدهور بضاعة الأرض التي تمنحها الطبيعة. و لكن تحت الكلمات المجملة تؤكد الإحصائيات وبعض الأرقام وتفضح الحقيقة: ربع البشر يرتكب ثلاث أرباع الجرائم ضد الطبيعة. فكل ساكن في الشمال يستهلك عشرة أضعاف من الطاقة،وتسع أضعاف من الألمنيوم،وأربع عشرة ضعف من الورق، وثلاث عشرة ضعف من الحديد و المعدن مما يستهلكه شخص في الجنوب. إن الأمريكي الجنوبي يزفر في الهواء بالمعدل اثنان وعشرين ضعف من الكربون، بينما يزفر الهندي ثلاث عشرة ضعف البرازيلي. لربما سمي هذا الوضع بـ “الانتحار العالمي” و لكن هذه الجرائم اليومية يرتكبها معظم الأفراد الناجحين في فصيلة الإنسان الذين يعيشون في بلدان غنية أو يتخيلون ذلك، أفراد الدول و المجتمعات الذين يجدون هويتهم في التفاخر و التبذير.

يشبه القرن العشرين رسامًا منهك ينهي أيامه برسم حيوات هامدة. إن هلاك الكوكب لا يتجنب أحدًا و لا حتى الشمال المنتصر الذي شارك في معظم الكارثة و في ساعة الحقيقة يصفر و ينظر إلى الجهة الأخرى.  على هذا المنوال لن يطول الوقت حتى نضطر إلى وضع علامات في جناح الولادة في الولايات المتحدة: انتباه:أيها الأطفال تحذير بموجب القانون: إن فرصتكم بالإصابة بالسرطان هي ضعف ما كانت عليه في زمن أجدادكم. بدأت الشركة اليابانية دايدو هوكوسان ببيع الهواء في علب، دقيقتان من الأكسجين بسعر عشرة دولارات، و تؤكد لنا البطاقة اللاصقة: هذا مولد كهربائي يعيد شحن الكائن البشري.

بقلم: إدوارد غالينو

هوامش المترجم:

(1): الكاروشي “Karōshi” هو مصطلح ياباني يعني حرفيًا الموت من الإرهاق، و يعبر عن الموت الفجائي بسكتة قلبية الذي يصيب الموظفين الذين يعانون من ضغط العمل.

(2): لم أجد ترجمة عربية للكلمة ولكنها تُستخدم لمعنيين الأول هو: أداة قديمة للتعذيب على زمن الرومان،و الأخرى لوظائف و أعمال مجهدة كان يعمل فيها سكان البحر المتوسط قسرًا.

المصدر